لم يتزوّج ولم ينجب « 1 » .
وكان الاحتفال العظيم بتحقّق المعجزة بميلاد يحيى ، والبشرى التي بلّغها زكريّا لقومه الذين كانوا في انتظار لها ، كما يتّضح من الآية :
فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا
.
فالقضيّة إذن لم تكن تخصّ زكريّا وحده ، وإنّما تخصّ كلّ القوم والأتباع من اليهود ، وهذا أيضا يؤكّد ما ذهبنا إليه قبلا من أنّه لم يكن هناك وريث للنبوّة في بيت آخر غير بيت زكريّا .
وبينا كان يحيى يبلّغ رسالته ، نجد الأتباع من اليهود - وهم القوم الناكرون الجاحدون - يتآمرون عليه ، وتنتهي حياة يحيى النهاية المأسويّة المعروفة ، دون أن يتزوّج أو ينجب الوريث ، وتصل الأزمة إلى ذروتها ؛ أزمة حقيقيّة لا مثيل لها من قبل ، حيث انتهى النسل الموعود بميراث النبوّة بموت سيّدنا يحيى . . إلّا من آخر النسل ، ولكن وفي هذه المرّة يكون آخر النسل امرأة ، امرأة تقيّة ورعة ، عذراء بكر ، مرعيّة من قبل اللّه عزّ وجلّ ، للحكمة التي من أجلها بقيت كآخر ما تبقّى من نسل إبراهيم .
أصبحت شجرة النبوّة مجدّدا في أزمة حقيقيّة ، لم يسبق أن توافق لها وجود مأزق كهذا ، وما كان اللّه ليخلف وعده عبده إبراهيم ، ولم تكن النبوّة لتوهب لأحد من النساء ، فهذا ناموس اللّه ، وإلّا لكانت مريم أحقّ من توهبها ، وهي نهاية العقد الفريد في سلسلة الأنبياء من نسل يعقوب ، بعد أن انتهت السلالة من الذكور بموت زكريا ، ومقتل يحيى دون إنجاب الوريث .
وكانت المعجزة الكبرى ، لأنّ اللّه ما كان ليترك نسل يعقوب ولا يرسل نبيّا بعد إلّا فيهم ، ولمّا كانت النبوّة في الإناث محالة ، فقد اختارها اللّه سبحانه وتعالى وهي
هامش
( 1 ) . انظر تفسير الجلالين 1 : 13 - 14 .