وأيضا قول الشاعر :
عجبت من نفسي ومن إشفاقها * ومن طراد الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها * حمراء تبري اللحم عن عراقها
قال : ونحو ذلك قال أهل التأويل ، فعن سعيد بن جبير :
يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ
عن شدّة الأمر . وعن ابن عبّاس : هي أشدّ ساعة في يوم القيامة « 1 » .
وبعد ، فلا إشكال في وجه الآية حسب سياقتها الذاتيّة وفق أساليب العرب الدارجة ، فليتدبّر .
وكذا قوله تعالى :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
« 2 » ، استند إليها أبو الحسن الأشعري لجواز رؤيته تعالى في الآخرة ، قال : « يعني : رائية » ، واستدلّ بأنّ « النظر إذا ذكر مع الوجه ، فمعناه : نظر العينين اللتين في الوجه ، ولا يصحّ أن يراد نظر :
الانتظار والتوقّع ، كما زعمه أهل الاعتزال ، إذ نظر الانتظار لا يقرن بإلى . . » « 3 » .
ولشناعة هذا الرأي ، حاول الأستاذ الشيخ محمّد عبده تأويله بإرادة كمال المعرفة بالذات « 4 » . ولكنّها محاولة من غير جدوى بعد صراحة كلام الأشعري في الرؤية بالبصر ، وعنون مقاله : بإثبات رؤية اللّه بالأبصار ، لا بالبصائر .
والذي يبطل قوله هو أنّ ما استدلّ به لا يتوافق مع اللغة ، فهناك في الشعر العربي الجاهلي ما يناقض حجّته ، قال الشاعر :
وجوه يوم بكر ناظرات * إلى الرحمان تنتظر الفلاحا « 5 »
فجاء النظر مذكورا مع الوجه ومقرونا بإلى ، مرادا به الانتظار والتوقّع .
هامش
( 1 ) . الكشف والبيان للثعلبي 10 : 18 - 19 .
( 2 ) . القيامة 75 : 22 - 23 .
( 3 ) . الإبانة عن أصول الديانة للأشعري : 25 - 26 باب : إثبات رؤيته تعالى بالأبصار في الآخرة .
( 4 ) . تفسير المنار 11 : 128 فما بعد .
( 5 ) . انظر : التمهيد 3 : 97 .