تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في التفسير الموضوعى للقصص القرآنى — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
فأما مكرهم بالشعب فلأنهم ضللوهم عن اتباع الحق ، وحالوا بينهم وبين الإيمان بنوح ، وأما مكرهم بنوح فلأنهم كانوا يتظاهرون أمامه بأن الأمر متروك للناس ، وما كانوا يظهرون له أعمالهم الحقيقية ، مكروا مكرا كبيرا ، ولكن اللّه مكر بهم ، وهو خير الماكرين . ومن طرق المكر التي كان يسلكها أشرافهم ورؤساؤهم أنهم أشاروا عليهم ، بل ونهوهم عن التفريط في آلهتهم ، وكانوا يظهرون لهم في ثوب الناصح الشفوق ، لا تدعن آلهتكم التي عبدتموها ، وعبدها آباؤكم من قبل ، ولا تدعن خاصة ودّا ، ولا سواعا ، ولا يغوث ، ولا يعوق ، ولا نسرا ، إذ تلك زعماء الآلهة ، وكأن الآلهة كالبشر فيها السوقة والخاصة ، وفيها الأشراف والعامة . يا رب هؤلاء الأشراف والرؤساء هم سبب البلاء والشقاء ، فقد أضلوا كثيرا ، وما زالوا يضلون ، يا رب لا تزد الظالمين إلّا ضلالا ، فهذه هي إرادتك ، وهذا عملهم فلا أمل فيهم يرجى ، فيارب نفّذ فيهم إرادتك بهلاكهم . * ويصل انفعال نوح إلى ذروته ، بعد أن دأب ليلا ونهارا على دعوة قومه إلى الحق ، وداوم على إسداء النصح لهم سرّا وعلانية ، وهم يلجّون في عنادهم وكفرهم ، ويفرون من الهدى فرارا ، ولا يزدادون إلّا ضلالا واستكبارا ، فما كان من نوح - وقد يئس من صلاحهم إلا أن يتملكه الغيظ ، ويمتلئ فوه بكلمات الدعاء الهادرة الغضبى ، تنطلق في الوجود مجلجلة مدوية ، بهديرها الرهيب ، وإيقاعها العنيف ، حين وقف داعيا على قومه بالهلاك والتبار
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً . .
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً . .
[ نوح : 26 - 28 ]