تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦

6 - التطور والثبات

وهذا المنهج يتصف بالثبات في أهدافه ومبادئه وأسسه العامة ، والتطور في فروعه وأجزائه ووسائله ، ليس بالجامد الذي يصلح لأمة دون غيرها ولعصر دون سائر العصور ، وليس بالمائع الذي لا يعرف له شكل ولا يستقر على حال ، وإنما هو مرن يلائم الناس جميعا في كل أحوالهم مع المحافظة على خصائصه ومزاياه . وهو في هذا شبيه بالأرض وسائر الكواكب التي تدور وتسبح في الفضاء الرحب ، ولكنها لا تسير في كل اتجاه ، ولا تتجه حيثما بدا لها ، وإنما تدور حول محور ثابت ، وتسير في فلك معين لا تحيد عنه ، وكذلك يقبل هذا المنهج التطور حول محور ثابت وضمن إطار محدد . فما يتعلق بكيان الإنسان الجسمي والنفسي ، وما ينظم صلته بربه هو ثابت ، لأن الإنسان لا يتغير في تكوينه وبنيته ، ولا في خصائصه وحاجاته الأساسية . أما ما يتعلق بكيفية حصول الإنسان على حاجاته ، وبطريقة استفادته من هذا الكون الذي يعيش فيه ، وبشكل مسكنه وملبسه ونوع طعامه وشرابه ، فهو متطور ليتناسب مع درجة الرقي ومستوى الحضارة التي وصل إليها . وهو في تطوره يبقى مقيدا بأحكام أساسية حتى لا يضل في رحلته الطويلة . ولقد فصل هذا المنهج تفصيلا دقيقا لا يقبل الزيادة ولا التغير فيما هو ثابت كأركان الإيمان والإسلام ، وأحكام العبادات وكيفيتها ، والمحرمات من النساء ونصيب كل وارث من تركة المتوفى . واكتفى بالبيان المجمل والمبادئ العامة فيما هو متطور ، كنظام المال ونظرية الملكية ، ونظام المعاملات وأنواع العقود التجارية ، ونظام الحكم وطرق السياسة الشرعية . ففي نظام الحكم مثلا أمر بالعدل والشورى وطاعة الحاكم المؤمن ما لم يأمر بمعصية . ولم يحدد ما وراء ذلك من التفصيل كشكل الشورى وكيفية اختيار الحاكم ، ودرجات المحاكم واختصاصها ، كما لم يحدد أعضاء الحكومة وواجبات كل منهم ، وإنما ترك تنظيم ذلك للأمة بما يتفق مع درجة التطور التي وصلت إليها . وبإمكان هذا المنهج أن يستفيد من دراسات العلماء وأبحاثهم ، ومن اكتشافات المخترعين وتجاربهم ، بل إنه يدفع المؤمنين إلى مواصلة البحث ومتابعة الدراسة في المجالين العلمي والنفسي ، لتيسير سبل الحياة ، وتسهيل طرق التربية ، وخدمة البشر ورفع مستواهم ، ثم يعتمد على ما توصلوا إليه من نتائج ، ويدخل ذلك في مضمونه بدون أن يتخلى عن هويته ، وبذلك أصبح هذا المنهج صالحا لكل الأمم والشعوب في كل مكان وزمان .
منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 306 | عمر أحمد عمر