تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
بحيث يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم الوسواس بالعدوى فيما لم تثبت فيه من الأمراض التي تنتقل من المريض إلى الصحيح بالمخالطة . والطيرة هي التشاؤم . وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير ، فإذا خرج أحدهم لأمر ، فإن رأى طيرا طار يمنة تيمن به واستمر ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع . وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها فجاء الشرع بالنهي عن ذلك . وكانت العرب في الجاهلية تقول : إذا قتل الرجل ولم يؤخذ بثأره خرجت من رأسه هامة - وهي دودة - فتدور حول قبره فتقول : اسقوني اسقوني ، فإن أدرك بثأره ذهب وإلا بقيت . وقال القزاز : ( الهامة طائر من طير الليل ) . كأنه يعني البومة . وقال ابن الأعرابي : ( كانوا يتشاءمون بها إذا وقعت على بيت أحدهم فيقول : نعت إلى نفسي أو أحدا من أهل داري ) . فأبطل الإسلام ذلك ، ومنع الشؤم بالبومة ونحوها . وكانت العرب تحرم شهر صفر وتستحل شهر المحرم ، فجاء الإسلام برد ما كانوا يفعلونه . والصفر أيضا داء يأخذ البطن ، أو حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس ، وهي أعدى من الجرب عند العرب فالمراد بنفي صفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوي 41 . ولقد احترم هذا المنهج إرادة الإنسان ، وجعله حرا في عقيدته وعبادته وتصرفاته ونظام حياته ، ولم يقسره على الإيمان بخالقه ، وإنما خاطبه بالدليل وأرسل إليه الرسل ليكون مؤمنا بدون اكراه ومهتديا بدون إجبار . ولكن الإنسان يعجز عن التفكير في ذات اللّه سبحانه ، لأن فكره لا يستطيع أن يخرج من نطاق البيئة التي يعيش فيها ، وخياله يعجز عن تصور ما لا يراه . واللّه سبحانه يختلف عن الأشياء كلها :
« لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » .
42
« لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » .
43 ثم إن الإنسان مسؤول عن عمله ومجزي على فعله . وهكذا يجمع هذا المنهج بين استعداد الإنسان للسلبية والإيجابية ، فيجعل السلبية في خضوعه لله تعالى ، والإيجابية في علاقته بالكون ، بدون أن يذل أو يطغى .