تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
اللّه . وكان أحدهم يعمل في التجارة أو الزراعة أو في إحدى الحرف لينفق على نفسه وعياله ، ويقنع بالقليل من الكسب ، ثم يجلس إلى طلاب العلم ، يعلمهم مما علمه اللّه وهو يرى نفسه يقوم بأعظم القربات . ولم يكونوا يعدون الذين يأخذون على العلم أجرا من العلماء ، إذ قالوا : لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال : لا يحتقر من دونه ، ولا يحسد من فوقه ولا يأخذ على العلم ثمنا 82 . وكان العلماء يوصون بالتنزه عن جعل العلم وسيلة لشيء من الأغراض الدنيوية قال الإمام الشيخ بدر الدين ابن جماعة في بيان آداب العالم في نفسه : ( أن ينزه علمه عن جعله سلما يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو خدمة أو تقدم على أقرانه . وكذلك ينزهه عن الطمع في رفق من طلبته بمال أو خدمة أو غيرهما بسبب اشتغالهم عليه وترددهم إليه ) 83 . وكان الخلفاء والأمراء يخصصون لطلاب العلم ما يكفيهم من النفقات عن يحي ابن أبي كثير قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله أن أجروا على طلبة العلم الرزق وفرغوهم للطلب 84 وكان الأغنياء يوقفون لطلاب العلم المعاهد التي يتعلمون فيها والمهاجع التي يبيتون فيها ، ويقدمون لهم الطعام واللباس وكل ما يحتاجون إليه . ولا تزال بقايا تلك المعاهد ماثلة في كثير من المدن الإسلامية حتى الآن . أما الأجور التي كان يتقاضاها المعلمون في الكتاتيب من أولياء الأولاد الذين يتعلمون فيها فلا تتناقض مع مبدأ مجانية التعليم ؛ لأن المعلمين كانوا يأخذون أجرة مقابل قيامهم بعمل محدد هو تعليم الولد ، وكانوا ينقطعون للتربية والتعليم ، ولا يشتغلون بغير ذلك . قال محمد بن سحنون : ( لا بأس أن يستأجر الرجل المعلم على أن يعلم أولاده القرآن بأجرة معلومة إلى أجل معلوم ، أو كل شهر ، وكذلك نصف القرآن أو ربعه أو ما سميا منه ) . وقال أيضا : ( ولا بأس بالرجل يستأجر الرجل أن يعلم ولده الخط والهجاء وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يفادي بالرجل يعلم الخط ) 85 . وكانت تلك الأجور يسيرة لا ترهق أحدا من الناس . وكان المعلمون لا يطالبون
منهج التربية في القرآن والسنة — صفحة 193 | عمر أحمد عمر