تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : قدم وفد ثقيف على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا : نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال . قال : « وما هن ؟ » . قالوا : لا ننحني في الصلاة ، ولا نكسر أصنامنا بأيدينا ، وأن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا خير في دين لا ركوع فيه ، ولا سجود ، وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم ، فذاك لكم ، وأما الطاغية يعني : اللات ، والعزى ؛ فإني غير ممتعكم بها » . قالوا : يا رسول اللّه ! إنا نحب أن تسمع العرب : أنك أعطيتنا ما لم تعط غيرنا ، فإن خشيت أن تقول العرب : أعطيتهم ما لم تعطنا ؛ فقل : اللّه أمرني بذلك ، فسكت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فطمع القوم في سكوته أن يعطيهم ذلك ، فأنزل اللّه الآية . انتهى خازن . أقول : وهذا يناقض ما ذكرته في مقدمة السورة : أن الآية وما بعدها ممّا نزل في المدينة . ومعنى الآية : هموا ، وأرادوا أن يصرفوك عن الذي أنزلناه إليك من القرآن ، والهدى ، والنور ؛ لتفتري ، وتختلق علينا ما لم نقله لك ، ولو فعلت ما طلبوا منك ؛ لاتخذوك صديقا لهم ، ووالوك ، وصافوك . بعد هذا ؛ أما كاد يكاد فهو فعل يدل على مقاربة الفعل بعده ؛ ولذا لم تدخل عليه « أن » ؛ لأنه يخلص الفعل للاستقبال ، وإذا دخل عليها حرف النفي ؛ دل على : أنّ الفعل بعدها وقع ، كما في قوله تعالى :
فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ
وإذا لم يدخل عليها حرف النفي ؛ لم يكن الفعل بعدها واقعا ، ولكنه قارب الوقوع . والفعل منهما واوي العين ، ف « كاد » أصله : كود بكسر الواو كخوف ، فتحركت الواو ، وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، و « يكاد » وزنه يكود ، كيعلم ، نقلت فتحة الواو إلى الساكن قبلها ؛ لأن الحرف الصحيح أولى بالحركة من حرف العلة ، ثم يقال : تحركت الواو بحسب الأصل ، وانفتح ما قبلها الآن ، فقلبت ألفا فصار : يكاد بوزن يخاف ، ومصدره الكود ، كالخوف ، وهذا في كاد الناقصة ، وأما كاد التامة ، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي ، كباع ، ومصدره الكيد كالبيع ؛ ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا ، فمن الأول : قوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ
ومن الثاني : قوله تعالى :
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
ومعنى الأول : المقاربة ، ومعنى الثاني : المكر ، والأول : ناقص التصرف ، ويحتاج إلى مرفوع ، ومنصوب ، والثاني : تام التصرف ، ويكتفي بالفاعل ، وينصب المفعول به . فائدة : قد تأتي « كاد » بمعنى : أراد . قاله محب الدين الخطيب ، شارح شواهد « الكشاف » ، وجعل منه قول الأفوه الأودي : [ البسيط ]
والبيت لا يبتنى إلّا بأعمدة * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أوتاد وأعمدة * وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا
أي : الذي أرادوا ، ومنه قول الآخر : [ الكامل ]
كدنا وكدت ، وتلك خير إرادة * لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى