تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
التامة ، فهي يائية العين المفتوحة في الماضي ك « باع » ، ومصدره الكيد كالبيع ، ولذا جاء المضارع في القرآن مختلفا ، فمن الأول قوله تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ . . .
ومن الثاني قوله تعالى :
فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ،
ومعنى الأول المقاربة ، ومعنى الثاني المكر ، والأول ناقص التصرف ، ويحتاج إلى مرفوع ومنصوب ، والثاني تام التصرف ، ويكتفي بالفاعل ، وينصب المفعول به . فائدة : قد تأتي ( كاد ) بمعنى أراد ، قاله محب الدين الخطيب شارح شواهد الكاشف ، وجعل منه قول الأفواه الأودي : [ البسيط ]
والبيت لا يبتنى إلا بأعمدة * ولا عماد إذا لم ترس أوتاد
فإن تجمّع أسباب وأعمدة * وساكن بلغوا الأمر الّذي كادوا
أي : الذي أرادوا ، ومنه قول الآخر : [ الكامل ]
كدنا وكدت وتلك خير إرادة * لو عاد من زمن الصّبابة ما مضى
أي : أردنا وأردت ، دليله ( تلك خير إرادة ) . تنبيه : شاع على الألسن أن نفي « كاد » إثبات ، وإثباتها نفي ، ولذا ألغز المعري بقوله : [ الطويل ]
أنحويّ هذا العصر ، ما هي لفظة * جرت في لساني جرهم وثمود
إذا استعملت في صورة الجحد أثبتت * وإن أثبتت قامت مقام جحود
فأجابه الشيخ جمال الدين بن مالك ، صاحب الألفية بقوله : [ الطويل ]
نعم هي كاد المرء أن يرد الحمى * فتأتي لإثبات بنفي ورود
وفي عكسها ما كاد أن يرد الحمى * فخذ نظمها فالعلم غير بعيد
وقد اتفقت كلمة النحاة على أن ( كاد ) كسائر الأفعال ، وكلامهم متقارب المعنى في هذا الشأن ، ومتشابه ، انظر الشاهد [ 1127 ] ، من كتابنا : « فتح القريب المجيب » والأشموني وغيرهما ، وها أنذا أسوق لك ما ذكره السيوطي رحمه اللّه تعالى في كتابه : ( همع الهوامع ) لتكون على بصيرة من أمرك . قال رحمه اللّه تعالى . والتحقيق : أنها كسائر الأفعال ، نفيها نفي ، وإثباتها إثبات ، إلا أن معناها المقاربة ، لا وقوع الفعل ، فنفيها نفي لمقاربة الفعل ، ويلزم منه نفي الفعل ضرورة أن من لم يقارب الفعل ، لم يقع منه الفعل ، وإثباتها إثبات لمقاربة الفعل ، ولا يلزم من مقاربته وقوعه ، فقولك : « كاد زيد يقوم » معناه : قارب القيام ، ولم يقم ، ومنه قال تعالى :
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
أي : يقارب الإضاءة ، إلا أنه لا يضيء . وقولك : « لم يكد زيد يقوم » معناه لم يقارب القيام ، فضلا عن أن يصدر منه ، ومنه قوله تعالى :
إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها
أي : لم يقارب أن يراها ، فضلا عن أن يرى ، وقوله تعالى :
وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ
أي : لا يقارب
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 249 | الشيخ محمد علي طه الدرة