وقصة المائدة أعجب ما ذكر فيها ؛ لاشتمالها على آيات كثيرة ، ولطف عظيم من اللّه تعالى .
وهي مئة وعشرون آية .
[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 1 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ( 1 )
الشرح :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا :
نادى اللّه عباده المؤمنين في هذه الآية بأكرم وصف ، وألطف عبارة ، أي : يا من صدّقتم اللّه ، ورسوله ، وتحلّيتم بالإيمان الذي هو زينة الإنسان . وقد خاطب اللّه عباده المؤمنين في هذه السّورة بالنّداء الدّالّ على الإقبال عليهم ، ونداء المخاطبين باسم المؤمنين يذكّرهم بأنّ الإيمان يقتضي من صاحبه أن يتلقّى أوامر اللّه ونواهيه بحسن الطّاعة ، والامتثال . وإنّما خصّهم اللّه بالنّداء ؛ لأنّهم هم المستجيبون لأمره ، المنتهون عمّا نهى اللّه عنه ؛ إذ الغالب أن يتبع هذا النداء بأمر ، أو بنهي .
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
يقال : وفى ، وأوفى لغتان ، قال تعالى في سورة ( التّوبة ) :
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ،
وقال في سورة ( النّجم ) :
وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى
وقال طفيل الغندي : [ البسيط ]
أمّا ابن طوق فقد أوفى بذمّته * كما وفى بقلاص النّجم حاديها
فجمع بين اللّغتين ، وقلاص النّجم : هي العشرون نجما الّتي ساقها الدّبران في خطبته الثّريا . كما تزعم العرب . والعقود : جمع عقد ، يقال : عقدت العهد ، والحبل ، فهو يستعمل في المعاني ، والأجسام . قال الحطيئة في مدح بغيض بن عامر بن شمّاس : [ البسيط ]
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا
والمراد ب : ( العقود ) ما يعم جميع ما ألزم اللّه به عباده ، وفرضه عليهم من التكاليف ، والأحكام الدينية ، وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات ، والمعاملات ، ونحوها ممّا يجب الوفاء به ، ويحسن دينا . وما في هذه السورة الكريمة من أحكام يبين ذلك ، ويوضحه .
قال الحسن - رحمه اللّه تعالى - : يعني بذلك عقود الدّين ، وهي ما عقده المرء على نفسه من بيع ، وشراء ، وإجارة ، وكراء ، ومناكحة ، وطلاق ، وموادعة ، ومصالحة ، وتمليك ، وتخيير ، وغير ذلك من الأمور ممّا كان غير خارج عن الشّريعة ، وكذلك ما عقده الشّخص للّه على نفسه من الطّاعات كالحجّ ، والصّيام . . . إلخ .
أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
أي : أكل لحمها ، والانتفاع بصوفها ، وشعرها ، ودرّها ، ونسلها ، وجميع أجزائها . والبهيمة : كلّ حيّ لا يميّز ، ولا يعقل ، وإضافتها إلى الأنعام للبيان ، كقولك : ثوب خز ، وخاتم فضة ، ونحو ذلك .