تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
اليوم الذي نزلت فيه ، والمكان الذي أنزلت فيه ، نزلت على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعرفات في يوم الجمعة ، وقد اتخذنا يوم نزولها عيدا . متّفق عليه . وقد روي : أنّ الحجّ بعد ذلك إذا صادف الوقوف بعرفات يوم الجمعة كانت الحجة بسبعين حجّة ، وتسمّى : الحج الأكبر . هذا ؛ وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : كان في ذلك اليوم خمسة أعياد : يوم جمعة ، ويوم عرفة ، وعيد لليهود ، وعيد للنّصارى ، وعيد للمجوس ، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ، ولا بعده ، وروي : أنّه لما نزلت هذه الآية بكى عمر - رضي اللّه عنه - فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما يبكيك يا عمر ؟ ! » فقال : أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا ، فأما إذ كمل فإنّه لم يكمل إلا نقص ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « صدقت » فكانت هذه الآية نعي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاش بعدها أحدا وثمانين يوما ، ولم ينزل بعدها آية حلال أو حرام ، وإن نزل بعدها آية موعظة ، وهي قوله تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 281 ] :
وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ
وعاش بعد هذه الآية أحدا وعشرين يوما .
وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
يعني : بإكمال الدّين ، والشّرائع ، والأحكام ، كما وعدتكم ؛ إذ قلت :
وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ
فكان من تمام النّعمة أن دخلوا مكّة آمنين ، وحجّوا مطمئنين ، لم يخالطهم أحد من المشركين .
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
أي : اخترت لكم الإسلام دينا من الأديان .
الْإِسْلامَ
في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى في سورة ( آل عمران ) رقم [ 19 ] :
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
وقال جلّ ذكره في الآية [ 85 ] منها :
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ
وخذ ما يلي : عن جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - ، عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، عن جبريل ، عليه السّلام ، عن اللّه تعالى ؛ قال : « إنّ هذا دين ارتضيته لنفسي ، ولن يصالح له إلّا السّخاء ، وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه » . رواه البغوي ، والطبراني في الأوسط .
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ :
ألجأته الضرورة إلى تناول شيء من المحرّمات في مجاعة .
غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ
غير مائل منحرف لمعصية بأن يأكلها تلذذا ، أو متجاوزا حدّ الحاجة ، والرّخصة . وانظر :
غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ
في الآية رقم [ 173 ] من سورة ( البقرة ) تجد ما يسرّك ، ويثلج صدرك . هذا ؛ و ( المخمصة ) : الجوع ، وخلاء البطن من الطّعام ، والخمص : ضمور البطن ، ورجل خميص ، وخمصان ، وامرأة خميصة ، وخمصانة ، ومنه : أخمص القدم ، ويستعمل كثيرا في الجوع ، ومثله الغرث ، قال الأعشى : [ الطويل ]
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
أي : منطويات على الجوع ، قد أضمر بطونهنّ . وقال النّابغة في خمص البطن من جهة ضمره : [ الكامل ]