تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
هذا ، وأما ( النّفس ) فإنها تجمع في القلة : أنفس ، وفي الكثرة : نفوس . والنفس تؤنث باعتبار الروح ، وتذكّر باعتبار الشّخص ؛ أي : فإنها تطلق على الذات أيضا - كما في هذه الآية - سواء أكان ذكرا ، أم أنثى ؟ فعلى الأول قيل : هي جسم لطيف مشتبك بالجسم اشتباك الماء بالعود الأخضر الرطب ، فتكون سارية في جميع البدن ، قال الجنيد - رحمه اللّه تعالى - : الروح شيء استأثر اللّه بعلمه ، ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ، فلا يجوز البحث عنه بأكثر من أنه موجود . قال تعالى في سورة ( الإسراء ) :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي . . .
إلخ . وقال بعضهم : إنّ هناك لطيفة ربانية ، لا يعلمها إلا اللّه تعالى ، فمن حيث تنكّرها تسمى عقلا ، ومن حيث حياة الجسد بها تسمّى روحا ، ومن حيث شهوتها تسمى نفسا . فالثلاثة متّحدة بالذّات ، مختلفة بالاعتبار . وهذا ما تدل عليه الآثار الصّحاح . هذا ؛ ومن الدليل على أن النّفس هي الروح قوله تعالى في سورة ( الزّمر ) رقم [ 42 ] :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها
يريد الأرواح ، وذلك بيّن في قول بلال - رضي اللّه عنه - للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث ابن شهاب : « أخذ بنفسي يا رسول اللّه الّذي أخذ بنفسك » . وهذا كان في الوادي الذي ناموا فيه عن صلاة الصبح ؛ حتى طلعت الشمس ، وهم قافلون من غزو تبوك . والنفس أيضا : الدم ، يقال : سالت نفسه . قال الشاعر : [ الطويل ]
تسيل على حدّ الظّبات نفوسنا * وليست على غير الظّبات تسيل
وقال إبراهيم النّخعي - رحمه اللّه تعالى ، وهو المقرر في الفقه - : « ما ليس له نفس سائلة ؛ فإنّه لا ينجس الماء إذا مات فيه » . والنفس أيضا ، الجسد ، قال الشاعر : [ الكامل ]
نبّئت أنّ بني سحيم أدخلوا * أبياتهم تامور نفس المنذر
والتامور أيضا : الدم . هذا ؛ وقد ذكر القرآن الكريم : أنّ للنفس خمس مراتب : الأمّارة بالسوء ، واللّوامة ، والمطمئنة ، والراضية ، والمرضية . ويزاد : الملهمة ، والكاملة . فالأمّارة : هي التي تأمر صاحبها بالسوء ، ولا تأمر بالخير إلا نادرا ، وهي مقهورة ، ومحكومة للشّهوات . وإن سكنت لأداء الواجبات الإلهية ، وأذعنت لاتباع الحق ، لكن بقي فيها للشهوات سميت : لوامة . وإن زال عنها هذا الميل ، وقدرت على معارضة الشهوات ، وزاد ميلها إلى عالم القدس ، وتلقّت الإلهامات ؛ سميت : ملهمة . فإن سكن اضطرابها ، ولم يبق للنفس الشّهوانية حكم أصلا ؛ سميت مطمئنة ، فإن ترقّت من هذا ، وأسقطت المقامات من عينها ، وفنيت من جميع مراداتها ؛ سميت راضية . فإن زاد هذا الحال عليها ؛ صارت مرضيّة عند الحق ، وعند الخلق . فإن أمرت بالرجوع إلى العباد لإرشادهم ، وتكميلهم ؛ سمّيت : كاملة . فالنفس لها سبع طبقات ، ولها سبع درجات ، كما ذكرت ، وقدّمت . وأخيرا خذ ما ذكره القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : وفي الخبر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : أنه قال : « ما تقولون في صاحب لكم ، إن أكرمتموه ، وأطعتموه ، وكسوتموه ؛ أفضى بكم إلى شرّ غاية . وإن