تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 423

مساهمون:

ص٤٢٣
فالرّخصة موجودة بقوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ،
وبقوله جل ذكره :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
.
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ
أي : كلّ من أفطر بعذر يجب عليه أن يعدّ الأيام التي أفطرها ، ثم يقضيها بعد التمكّن من القضاء إلا المريض الّذي لا يرجى برؤه ، والشّيخ ، والشّيخة اللذين لا يرجى صومهما بسبب الهرم ، والضعف ، فهؤلاء يخرجون كفارة لكلّ يوم أفطروا فيه . هذا ؛ و
أُخَرَ :
صفة ل
أَيَّامٍ ،
و
« أُخَرَ »
على ضربين : ضرب جمع : أخرى تأنيث أخر ، بفتح الخاء أفعل تفضيل ، وضرب جمع : أخرى بمعنى : آخرة ، تأنيث آخر بكسرها مقابل ل « أول » ، ومنه قوله تعالى :
قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ
فالضرب الأول لا يصرف ، والعلّة المانعة من الصّرف : الوصف ، والعدل . ولا تنس أنّ قبل :
فَعِدَّةٌ . . .
إلخ جملة محذوفة التقدير : « فأفطر » .
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ :
روى البخاريّ - رحمه اللّه تعالى - عن سلمة ابن الأكوع - رضي اللّه عنه - : أنه قال : لمّا نزلت :
وَعَلَى الَّذِينَ . . .
إلخ كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية الّتي بعدها ، فنسختها . ومثله عن ابن عمر ، رضي اللّه عنهما ، وبه قال السّدّي ، والمراد بالتي بعدها : قوله تعالى :
فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
. وقال ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : ليست منسوخة ، هو الشّيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . أخرجه البخاريّ عن عطاء ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وعليه يكون المعنى : وعلى الذين كانوا يطيقونه في حال الشّباب ، ثم يعجزون عنه في حال الشّيخوخة فدية طعام مسكين ، ولذا قرأ ابن عباس :
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
وقيل : هي محكمة ، وقبلها « لا » مقدّرة ، أي : لا يطيقونه لكبر ، أو مرض لا يرجى برؤه .
فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ :
هي القدر الذي يبذله المسلم يقي نفسه به من تقصير وقع منه في عبادة ، أو نحوها من كفارة يمين ، أو ظهار ، أو جماع في شهر رمضان ، أو فعل محظور في الحجّ . . . إلخ ، لكن ما مقدار هذه الفدية فيما ذكر ؟ فاللّه يقول :
طَعامُ مِسْكِينٍ
وكثير من العلماء يقولون : مدّ من قمح ، وهل يكون المدّ في هذه الأيام طعام مسكين ؟ فلا حول ولا قوة إلا باللّه ، فقد روى البخاريّ رحمه اللّه تعالى : أنّ أنس بن مالك - رضي اللّه عنه - أطعم بعدما كبر عاما ، أو عامين ، عن كلّ يوم مسكينا خبزا ، ولحما ، وأفطر . فأنس - رضي اللّه عنه - يطعم المسكين خبزا ، ولحما ، وهم يعطونه مدّ قمح ، فكأنه بنظرهم حمامة ، أو دجاجة يلتقط الحبّات بمنقاره ، وانظر شرح المسكين في الآية رقم [ 177 ] .
وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ
فهذه الخيرية تعمّ كلّ من ترخّص الإفطار بعذر من الأعذار ، ويقدر على الصوم بلا مشقّة ، وعناء ، ما عدا الحائض ، والنفساء ، فإنّ فطرهما واجب ، وصومهما لا ينعقد .
إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
بركة الصيام في رمضان ؛ فلا تفطروا بمجرد العذر المرخّص للإفطار .
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه — صفحة 423 | الشيخ محمد علي طه الدرة