تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 808

مساهمون:

ص٨٠٨
الظاهر ، ولقد تحدثنا من قبل عن أن الاستبطان يكشف وجود المطلق الذي هو الملهم ، فالإلهام هو التدبير . أما اليوم الإلهي الذي هو اللازمان والذي هو أصل الزمان فهو هنا الوجود المطلق فيكون اللّه المدبر من قبل الزمان وبالزمان . وقوله :
مِمَّا تَعُدُّونَ
له نكتة ، ولقد تحدثنا عن الزمان النسبي الذي أوضح حقيقته إينشتاين ، فقال إن الزمان المعروف زمان إنساني أي من اختراع الإنسان الذي حسب وطابق بين دوران الكواكب حول الشمس ، ودوان القمر حول الأرض ، فاستنبط منهما التقويم الشمسي والتقويم القمري ، وعلى الرغم من أن هذا الحساب إنساني إلا أنه يعتمد القانون الفلكي نفسه وهذا ما عبر عنه سبحانه قائلا :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ( 39 )
[ يس : 39 ] وقال :
لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
[ يونس : 5 ] .

[ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 7 إلى 10 ]

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ( 8 ) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ ( 9 ) وَقالُوا أَ إِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ ( 10 ) [ السجدة : 7 ، 10 ] الخلق الإلهي يعتمد المثل ، والمثال في الفلسفة هو الأفضل والأكمل وإلا لما كان مثالا ، وعليه فالوجود العياني مخرج وفق خلق مثالي صوري هو من الكمال في الغاية مما جعل الغزالي ولا يبنتز يقولان ليس في الإمكان أبدع مما كان . وقوله سبحانه :
وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ
يعني الجانب النفسي من الإنسان ، وهو الجانب المتعلق بعالم العناصر ، ولهذا قيل في الفلسفة إن النفس تطلب الجسد ، ومن دون الجسد لا تكون ، ولهذا سمينا هذه النفس النفس الحيوانية والنفس المادية والنفس الترابية ، فالإنسان نفس مادية ، وهذا جانبه الحيواني المسمى حواء ، أما الشق الأخر فهو روحاني قديم نفخ في آدم ، ومن الوالدين خرج النسل العظيم . أما السمع والأبصار والأفئدة فالعلم الحديث يكشف اليوم أسرار عملية الإبصار التي كان يظن في الماضي بأنها عملية بسيطة ترتبط بالعين وعصب البصر ومركز البصر في الدماغ ، حتى إذا حاولت العلماء أن يجعلوا الحاسوب يبصر تبين لهم كم العملية معقدة ، وكم يبلغ جهل العلم أسرارها ومداها ، فالحاسوب مثلا لم يستطع أن يرى بواسطة عدسة ثبتت عليه سوى أشكال بسيطة بالقياس إلى ما تراه العين . . ثم تتبعت العلماء عملية الإبصار بدقائقها فإذا هناك
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 808 | محمد غازي عرابي