تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 623

مساهمون:

ص٦٢٣
مريم رمز النفس التي أتمت إحصاء المعقولات من الأسماء الإلهية التسعة والتسعين ، فأهلت لأن تكون محلا للإملاء الإلهي والنفث الروحي الذي عبر عنه بالنفخ من الروح ، ومريم وابنها آية باعتبار النفس الباطن والجسد الظاهر ، ولهذا قال عباس العقاد : يمكن أن يكون اللّه قد ظهر بصورة جميلة في المسيح وهذا لا يستلزم الكفر .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 92 إلى 96 ]

إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( 92 ) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ ( 93 ) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ ( 94 ) وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 95 ) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ( 96 ) [ الأنبياء : 92 ، 96 ] قوله سبحانه :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
يذكر بقوله في موضع آخر :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
[ النّحل : 120 ] ، فالإشارة إلى الإنسان الكامل الذي هو الإنسان الكبير الذي ظهر به وفيه الحق سبحانه ، فما القرآن والفرقان والأنبياء والأولياء سوى ظهور الحقيقة الإلهية التي ظاهرها العالم وباطنها الروح ، وما سوى ذلك ليس إلا أداة لهذا الظهور ، فعن الحق صدر الروح ، ومن الروح صدرت النفس الكلية ، ومن النفس الكلية صدرت النفوس الجزئية ، والأمر كله وحدة تامة ولهذا قال سبحانه :
إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
فليس عند اللّه من أمم إلا هذه الأمة الواحدة ، وليس عنده دين إلا الإسلام أي الاستسلام لحقيقة وجودية جامعة ، ويمكن تشبيه الوجود الإلهي بكرة زجاجية باطنها اللّه وظاهرها الخلق وبينهما رقائق من المعاني المعقولة التي تكثف اللطيف ، وتلطف الكثيف ، ومجموعها الإنسان الخليفة .

[ سورة الأنبياء ( 21 ) : الآيات 97 إلى 100 ]

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ ( 97 ) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ ( 98 ) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ ( 99 ) لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) [ الأنبياء : 97 ، 100 ] قلنا جهنم إشارة إلى البعد ، وحصب جهنم المعقولات المستخرجة من المحسوسات بالحواس والتي لها بها ارتباط وصلة لا انفصام لها ، فمهما فعل الإنسان فهو سجين العيان ظاهرا وأسير المعقول باطنا فهو وراء القضبان ولا يعلم كما جاء في الآية المائة ، وقوله :
لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها
يعني أن لا معقول بلا عقل جوهر فرد يرد إليه ، فالمعقول ليس شيئا أمام اللّه ، وهو به قائم ، وعنه مشع ، ولهذا انتقدنا في كتابنا « الإنسان الكامل » نظرية أفلاطون في المثل والقائلة : إن هذه المثل موجودة حقا في عالم مفارق ، بينما يثبت الكشف