تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
المسلمون أمثال ابن عربي والغزالي والفارابي وآخرون .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 5 ]

فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً ( 5 ) [ الإسراء : 5 ] العباد أولو البأس الذين بعثهم اللّه على بني إسرائيل هم جالوت وجنوده فقتلوهم وسبوهم ، والإشارة إلى جنود الخواطر حين لا يكون للقلب مدد من نور اليقين ، وحين يصير ميدانا تصطرع فيه الخواطر .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 6 ]

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً ( 6 ) [ الإسراء : 6 ] الإشارة إلى إحياء القلب بنور الضمير ، فإذا صاحبه قد تاب وأناب وهذا مشاهد في بعض أصحاب المعاصي والأهواء الذين يعيشون زمنا مستسلمين للشهوات سادرين في الضلالة ، فإذا أراد اللّه هديهم أضاء لهم نور الضمير فانقلبوا صالحين . والصورة في الآية تمثيل القلب وما يقع فيه من صراع ، ففي القلب جنود الرحمن وجنود الشيطان يتقاتلون ، والقلب يميل إلى هؤلاء تارة وطورا إلى أولئك ، والحرب من فعل اللّه عز وجلّ ليميز الخبيث من الطيب ، والخيط الأبيض من الأسود ، فيصير القلب بعد ذلك عالما وصاحبه عارفا .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 7 ]

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ( 7 ) [ الإسراء : 7 ] الإشارة إلى ما يقع بعد بلوغ القلب مقام الإحسان حيث ينقلب كل شيء عاليه سافله ، فلقد جاء في الآية ذكر الوجه ، والوجه حقيقة الإنسان ، والإساءة طمس الوجه وفناؤه ، وهو ما يعرف في علم التصوف بالاصطلام أي استئصال شأفة الأنية ، كما ورد في الآية دخول المسجد ، والمسجد للجمع ، والإشارة إلى شمول الفناء مجموع الأنيات الجزئية فإذا الجميع فانون بعد أن يشاهدهم المكاشف أشباحا متحركة بقوى الروح ، فليس في المسجد إلا مصلون للّه ساجدون ، وليس في الوجود من شيء إلا وهو ساجد للّه مسبح بحمده .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 8 ]

عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) [ الإسراء : 8 ] الرحمة إنقاذ الفاني الغارق في بحر الهوية الإلهية من الغرق وهو ما يسمى في علم الصوفية البقاء بعد الفناء ، ومن دعاء الصوفية ، اللهم هبني البقاء بك بعد الفناء فيك ، والمعنى أن الإنسان صاحب الأنا الجزئية قدمها إلى اللّه أضحية ففداه اللّه بخير منها وهي الأنا الكلية ، وبهذه الأنية يصبح الصوفي عارفا باللّه وإنسانا كاملا ، وذلك لأنه وصل عين الجمع ، فهو