تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
وذا الحاجة والمشرف على الغرق يدعون اللّه بالفطرة ويستغيثونه علما أنهم قد لا يؤمنون به عقلا ، وإلى هذا أشارت الآية الرابعة والخمسون التي توضح حال هؤلاء الناس ، فالإنسان ما دام في حاجة إلى مغيث استغاث قلبا فيه ، فإذا كشف عنه الضر عاد إلى عقله ، وعقله أي فكره كله تناقض ، فارتد مشركا ثانية يقول أنا وأنا . . .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 56 ]

وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ( 56 ) [ النحل : 56 ] قوله سبحانه :
لِما لا يَعْلَمُونَ ،
هو رد العلم إلى اللاعلم أو الجهل ، ورد النظام إلى الفوضى أو المصادفة ، ورد العقل إلى نشاط الطبيعة والطبيعة صنم كبير ، فمن يعمل عقله في كل شيء ينس حين يشرك ويلحد أنه بنفيه وجود اللّه قد جعل الجهل والفوضى والعبث والمصادفة أسس الوجود وهذا غاية الحمق ، قال فولتير : لو لم يكن اللّه موجودا لوجب إيجاده .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 57 ]

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ ( 57 ) [ النحل : 57 ] وصف الملائكة بأنهم بنات ، وقولهم : إن الملائكة بنات اللّه إثم عظيم ، أولا لأن الملك كما أوضحنا هو معقول ، والمعقول فاعل نيابة عن فاعل الذي هو الروح . . . ثانيا لأن الملائكة لا يكونون بنات ، أي إناثا ، أي منفعلين سالبيين ما داموا هم الجند والخواطر ، أي هم مقلبو القلب الشمال واليمين . . . ثم إذا رد الملائكة إلى اللّه باعتبارهم بناته فالنتيجة إشراك المعقولات في العقل الكلي وهذا شرك أيضا ، لأن المعقولات فيض وإشعاع عن العقل الكلي ولا وجود لهم بأنفسهم ما دام كل شيء يقوم باللّه ويوحد باللّه .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 58 إلى 60 ]

وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 58 ) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 59 ) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 60 ) [ النحل : 58 ، 60 ] الأنثى صورة المعقول في الخيال ، والخيال الحد الفاصل بين العالمين الروحي والمادي ، ولقد تحدثنا عن ملائكة المعقولات المشعة عن النور الأصيل ، وقلنا : إنها فعالة مثلما أن أباها فعال ، أما صور هذه المعقولات فهي ما يتراءى للفكر في خياله ، ولكل إنسان خياله ، ولكل إنسان حصيلة من المعقولات والأنثى هنا ، وإن كانت سلبية قابلة ، فإن لها قيمة الذكر الفاعل ، فلو لا العالم المحسوس ما ارتسمت في شاشة خياله صور المعقولات وعليه فللعالم المحسوس قيمة لا تقل عن العالم المعقول .