تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
[ النحل : 23 ، 22 ] قوله :
إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ
ذو مغزى عظيم ، وهو قاع بحر الحقيقة فكيفما غاص الإنسان أو عام فهو في بحر الوجود الذي إلهه إله واحد ، ولقد تحدثت الصوفية كثيرا عن كون المعبود ، أي معبود ، هو اللّه ، وإن عبد المظهر أحيانا كالنار ، والوثن ، وسر ذلك أن الداعية القلبي هو إلهي ، فتوجه الإنسان إلى تحقيق قصد معين هو توجه إلهي ، ولهذا قالت الصوفية : إن الإرادة الإنسانية داخلة في نطاق الإرادة الإلهية ، والآية أشارت إلى الإله الواحد ، ثم وصفت هذا الإله بأنه إله الجمع ، والنتيجة أن كل توجه يميني وشمالي ، ظاهري وباطني ، إيماني وإلحادي ، هو قصد إلهي ، وإلا لكان في الوجود آلهة بعدد البشر ، ومشيئة كل منهم ، وإرادة كل أحد وهذا مستحيل . وترى في الآية وصفا للذين لا يؤمنون بالآخرة وقلوبهم منكرة ، ومع هذا فهذا الوصف تبع القول إن إله البشر إله واحد ، وتفسير هذا أن القلب المنكر منكر بمشيئة اللّه أيضا ، فهذا الإنكار يذكر بإنكار إبليس لأمره تعالى الملائكة بالسجود لآدم عليه السّلام ، وقالت الصوفية : إن إبليس مجبور في إغوائه ، ونضيف : حتى في إنكاره ، فما أنكر المنكر إلا بعد أن ألهمت نفسه بأن ينكر ، وبهذا يكون سياق الآية واحدا ، وهو كونه تعالى السائق القاهر .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 24 ]

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ما ذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 24 ) [ النحل : 24 ] أثبتت الدراسات الفلسفية الحديثة ، ومنها دراسة الفيلسوف الألماني شيلنغ في كتابه « فلسفة الأسطورة والكشف » ، أن الأساطير ذات أصل توحيدي ، وكنا قد بحثنا هذه المسألة مطولا في كتابنا « الإنسان الكبير » ، ويؤكد شيلنغ أنه ما من أسطورة إلا ولها أصل توحيدي ولكن الناس حرفوها من بعد ذلك ، وأخفوا الظاهر وتعلقوا بالمظاهر ، وهذا حال كل الأساطير التي عرفها التاريخ .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 25 ]

لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 25 ) [ النحل : 25 ] حمل الأوزار إشارة إلى النتيجة المترتبة على تحريف الأساطير ، ونحن نقول أساطير من باب التعريف بحكايات التاريخ ، وإلا فالأساطير ليست أساطير كما أسلفنا القول ، وتحولها إلى أساطير هو الذي جعل لها أوزارا يحملها المحرفون والمؤمنون بالأساطير المحرفة . وقوله :
يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ،
إشارة إلى أن كثيرا من المحرفين حرّفوا عن جهالة ، ولم يكن قصدهم تحويل الأسطورة عن معناها الحقيقي ، وهذا شائع في القبائل البدائية والمنجمين والكهنة الذين يعتبرون حكماء حاكمين متوجين في هذه المجتمعات التي تجد فيها ريح الألوهية الشاملة الظاهرة في عبادة الصور .