تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 447

مساهمون:

ص٤٤٧
والفلك ما يعوم به الإنسان في بحر الحياة العاصف الذي كم أغرق من أمم ، فما يحفظه التاريخ من الإنسان ليس إلا سيرة العظماء الخالدين من ذوي الأخلاق والشجاعة والحكمة وما شابه ، ولهذا قال هيغل : إن الروح يظهر في ما ينتج من فلسفة وفنون ، كما يظهر بظهور الأنبياء وأكابر الرجال ، والمهم القول : إن هذا الفلك هو فلك نوح الذي نجا به وعليه من طوفان الهيولى التي تغرق كل ذي حياة إلا من تغمده اللّه برحمته ونجا .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 15 ]

وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 15 ) [ النحل : 15 ] الرواسي الأخلاق الشوامخ من الصفات الجميلة ، ولقد قال القسيس لجوليان بطل رواية « الأحمر والأسود » للمؤلف ( ستندال ) : أخلاقك رأس مالك الوحيد ، وقال سبحانه :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ ( 88 ) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء : 88 ، 89 ] ، فإذا أردت أن تستند إلى قاعدة صلبة ثابتة في هذه الحياة فعليك بالأخلاق الرواسي .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 16 ]

وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ( 16 ) [ النحل : 16 ] سبق أن تحدثنا عن النجوم الهاديات ، والملاحظ هنا أن النجم ذكرا مفردا ، وقيل إنه ذكر بمعنى النجوم ، والتأويل يقبل التفسيرين ، فباعتبار النجم المفرد فالنجم الضمير ونور الهدى وهو واحد كلي موجود في كل الناس ويشارك في الهدى كما تكون الكهرباء وسيلة وشرطا لإضاءة المصابيح ، قال كانط : شيئان يملآنني إعجابا يوما بعد يوم النجوم فوق رأسي والقانون الأخلاقي في داخلي ، فليس ثمة إلا الروح الكلي ظاهرا وباطنا ، وعلى هذا الروح الكلي أقام هيغل صرح موسوعته الفلسفية الضخمة التي تعتبر منارة تهدي الناس سواء السبيل ، وتبين ما للروح من دور في هذا الوجود ، وما ظواهره ، وما قوانين هذه الظواهر . أما على مستوى الجمع ، أي أن يفسر النجم بالنجوم ، فالمنطلق من الشمس إلى الأشعة ، ومن الأشعة إلى الكواكب المستقبلة للأشعة والأقمار . . . فهذا صدور من الواحد الذي هو أصل الأعداد إلى الأعداد نفسها المقومة بالواحد ولا وجود لها إلا به ، ويشارك في هذه العملية القيومية النجوم الثوابت أي الأعيان الثابتة التي كنا تحدثنا عنها ، وهي المثل الأفلاطونية وصور أرسطو ذات الكمال التي تجذب إليها المادة ولا تنفصل عنها ما دام الوجود قائما .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 17 إلى 19 ]

أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 18 ) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ ( 19 ) [ النحل : 17 ، 19 ] أنظر إلى وجه طفل جميل وتأمل هذا الإعجاز في الخلق . . . أوقف عند الغروب متأملا الأفق وبخاصة إذا كانت ثمة سحب توشي السماء ، أو انطلق في البساتين والبراري ، والدنيا