تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
وفي ضرورة غشيان عالم الظلمات ليستبين دور النور ، قال جلال الدين الرومي في « المثنوي » : الشيطان يسعى ليربي الإثم فينا وبذلك الإثم يدفعنا إلى الهاوية ، وحينما يرى أن هذا الإثم قد أصبح طاعة تمر به ساعة لا بركة فيها ، ويقول : ألا فلتدخل ، لقد فتحت الباب من أجلك ، إنك تبصق علي وأنا أتحفك بهدية ، فإن كنت أعطي مثل هذا لصاحب الجفاء ، فماذا أنا واهب صاحب الوفاء ؟

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 50 إلى 52 ]

وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) [ الأنفال : 50 ، 52 ] التوفي قبض النفس الجزئية وإلقاؤها في بحر النفس الكلية ، فالوجه حقيقة الإنسان أي أناه ، وضرب الوجه قبضه ، والأدبار حقيقة الفكر الذي هو جوهر الإنسان فإذا هذا الفكر بعد القبض جزء من فكر إلهي عام كما قال هيغل ، وهذا الفناء هو ما أشير إليه في الآية بالحريق .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 53 إلى 56 ]

ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) [ الأنفال : 53 ، 56 ] النعمة نعمة الاسم الذي يتولى القلب ، ومن أسمائه تعالى المنعم ، فما أنفق الكريم إلا بفضل جود اللّه ، ولا حلم الحليم إلا من عفو مولاه ، وكل الفضائل البشرية هي من بحر جود الكرم الإلهي . وتغيير النعمة مرتبط بتغيير ما بالنفس ، وللأمر لطيفة . . . فالمتباهي بكرمه هو سارق للعارية الإلهية ومدعيها لنفسه ، وبذلك يكون قد فقد جوهر العطاء وهو ألا تعلم شمال الإنسان ما أنفقت يمينه ، فلا يبلغ المتحلي بأسماء الجمال الكمال إلا بتحققه من حقيقة ما تحلى به ، وإعطاء المولى حقه من الشكر والثناء ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم لأشج عبد القيس : ( إن فيك لخلتين يحبهما اللّه الحلم والأناة ) ، فقال أشج : أخلقين تخلقت بهما أم خلقين جبلت عليهما ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( بل خلقين جبلت عليهما ) ، وقال أشج : الحمد للّه الذي جبلني على خلقين يحبهما .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 57 إلى 59 ]

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 )
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 302 | محمد غازي عرابي