بالعلم وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم ولهذا قال أبو الدرداء : « من ازداد علماً ازداد خوفاً » وهو كما قال .
الثاني : العمل والعبادة وليس يخلو عن رذيلة الغرور والكبر واستمالة قلوب الناس الزهّاد والعبّاد ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين . أما الدنيا فهو أنّهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم ويتوقعون قيام الناس بقضاء حوائجهم وتوقيرهم والتوسع لهم في المجالس وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس من الحظوظ إلى جميع ما ذكرناه في حقّ العلماء وكأنهم يرون عبادتهم منّة على الخلق ، وأما في الدين فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجياً وهو الهالك تحقيقاً مهما رأى ذلك قال النبي صلى الله عليه وآله : « إذا سمعتم الرجل يقول هلك الناس فهو أهلكهم » ، وإنما قال ذلك لأن هذا القول يدل على أنّه لخلق اللَّه ، مغتر باللَّه ، آمن من مكره ، غير خائف من سطوته ، وكيف لا يخاف ويكفيه شراً احتقاره لغيره ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « كفى بالمرء شراً أن يحقر أخاه المسلم » وكم من الفرق بينه وبين من يحبّه للَّه ويعظمه لعبادته ويستعظمه ويرجو له ما لا يرجو لنفسه فالخلق يدركون النجاة بتعظيمهم إياه للَّه فهم يتقربون إلى اللَّه بالدنو منه وهو يتمقت إلى اللَّه بالتنزه والتباعد منهم كأنه مرتفع عن مجالستهم ، فما أجدرهم إذا أحبّوه لصلاحه أن ينقلهم اللَّه إلى درجته في العمل وما أجدر إذا ازدراهم بعينه أن ينقله اللَّه إلى حدّ الإهمال .
وهذه الآفة أيضاً قلما ينفك عنها العباد وهو أنّه لو استخف به مستخف أو آذاه مؤذ استبعد أن يغفر اللَّه له ولا يشك في أنّه صار ممقوتاً عند اللَّه ولو آذى مسلما آخر لم يستنكر ذلك الاستنكار وذلك لعظم قدر نفسه عنده وهو جهل وجمع بين العجب والكبر والاغترار باللَّه وقد ينتهي الحمق والغباوة لبعضهم إلى أن يتحدّى ويقول سترون ما يجري عليه ، وإذا أصيب بنكبة زعم أنّ ذلك من كراماته وأنّ اللَّه ما أراد به إلّا شفاء علته والانتقام له .
فما أعظم الفرق بين مثل هذا الجاهل وبين بعض ما ورد عن أحد العباد الّذي قال بعد انصرافه من عرفات : كنت أرجو الرحمة لجميعهم لولا كوني فيهم ، فانظر إلى الفرق بين
الأخلاق في القرآن — صفحة 37
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٧