من ذلك بنسبة إيمانهم باللَّه تعالى .
وقد سأل شخص الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام عن مفهوم هذه الآية : « وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ »
فقال له الإمام عليه السلام : « لِلتّوَكُّلِ دَرَجَاتٌ » ثمّ أضاف : « مِنْهَا انْ تَثِقَ بِهِ فِي امْرِكَ كُلِّهِ فِي مَا فَعَلَ بِكَ فَمَا فَعَلَ بِكَ كُنْتَ رَاضِياً وَتَعْلَمَ انَّهُ لَمْ يَأْلُكَ خَيْراً وَنَظَراً ، وَتَعْلَمَ انَّ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ لَهُ ، فَتَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ بِتَفْويِضِ ذَلِكَ الِيْهِ » « 1 » .
وقد ذكر بعض علماء الأخلاق للتوكل ثلاث مراتب :
الأولى : أن يعيش الإنسان الاعتماد والاطمئنان والثقة باللَّه تعالى كما يطمئن الإنسان ويثق بوكيله عندما يجده لائقاً ومخلصاً فيفوض أموره إليه ( دون أن يفقد اصالته واستقلاله بهذا الاعتماد والثقة ) وهذه هي أضعف مراتب التوكل .
الثانية : أن يكون حاله في اعتماده على اللَّه وثقته بنفسه كحال الطفل بالنسبة لُامّه ، فالطفل في بداية الأمر لا يرى شيئاً سوى امّه ولا يعتمد على غيرها إطلاقاً ، فما أن يراها حتّى يتعلق بها ، وعندما يجد نفسه لوحده فإنه بمجرد أن يصيبه شيء أو حادثة فإنه يطلب امّه فوراً ويبكي أيضاً في طلبها .
ولا شكّ أنّ هذه المرتبة من التوكل أعلى من السابقة ، لأن الإنسان في هذه الحالة يجد نفسه غارقاً في تجليات الحقّ ولا يرى أحداً غيره ولا يطلب من أيّ أحد حلّ مشكلاته إلّا من اللَّه تعالى .
المرتبة الثالثة : وهي بدورها أعلى من المرتبة الثانية في سُلّم الكمال المعنوي ، وهي أن يجد الإنسان نفسه عديم الإرادة والاختيار ، فكلّما أراد منه اللَّه شيئاً ورضي به كان رضاه بذلك الشيء وتعلّقت إرادته بذلك الشيء أيضاً ، وكلّما عَلِم أنّ اللَّه لا يريد ذلك الشيء فإنه لا يُريده أيضاً .
بعض العلماء يرى أن توكل إبراهيم عليه السلام كان يحكي عن هذه المرتبة الثالثة ، عندما
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 336 .