وأنّهم كانوا لا يرتبطون بأيّ شيء برابطة الاعتماد والتعلق سوى بالقدرة المطلقة للذات المقدسة .
ونبدأ من النبي نوح عليه السلام :
« الآية الأولى » من الآيات محل البحث تستعرض حياة نوح مع قومه المتعصّبين والمعاندين حيث واجههم بكلّ شجاعة ودعاهم بالكلام الهادئ والمتّزن والمنطقي من موقع الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه ، فتقول الآية الشريفة مخاطبة نبي الإسلام :
« وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ »
« 1 » .
فما هو العامل الّذي دفع بنوح مع قلّة المؤمنين من حوله إلى التصدي لكلّ قوى الانحراف والأعداء المعاندين من قومه بهذه الشهامة والشجاعة والسخرية من قوّتهم وعدم الاهتمام بقدراتهم وبمخططاتهم وبأوثانهم ؟
وبالتالي فقد وجّه إليهم ضربة قاصمة على المستوى الروحي والنفسي .
أجل لم يكن هذا العامل سوى الإيمان باللَّه والتوكل عليه ، والعجيب أنّ نوح لم يكتف فقط بمواجهتهم من موقع اللامبالاة وعدم الاهتمام بقدراتهم ومعبوداتهم بل دعاهم إلى مبارزته وشجّعهم على مواجهته ، أجل فمثل هذا الإظهار للقوّة واستعراض العضلات لا يتسنّى في الحقيقة إلّا من المتوكلين .
ونظراً إلى أنّ سورة يونس الّتي تستبطن هذه الآية محل البحث ، مكيّة ، فإنّ اللَّه تعالى أراد من المسلمين في مكّة أن يلتفوا حول نبي الإسلام صلى الله عليه وآله كالفراش الّذي يدور حول المصباح ويُظهروا من أنفسهم القوّة والقدرة أمام الأعداء الشرسين وأن لا يعيشوا الخوف والرعب من هذه القدرات الموهومة مقابل قدرة اللَّه ومشيئته .
وعبارة ( شركائكم ) يمكن أن تكون إشارة إلى الأصنام الّتي جعلوها شريكة للَّه تعالى ،
هامش
( 1 ) . سورة يونس ، الآية 71 .