تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق في القرآن — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
ثعبان عظيم ، فخاف موسى من هذه الظاهرة العجيبة وقرّر الفرار ، إلّا أنّ الخطاب الإلهي جاءه ليعلّمه أوّل درس أخلاقي تجاه الحوادث وقال :
« يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ »
« 1 » . ونظراً إلى أنّ جميع أنحاء العالم هي في محضر اللَّه تعالى وإن كلّ زاوية من زوايا الكون هي محلّ حضور ذاته المقدسة وعلمه وقدرته ، ولذلك على المؤمنين أن لا يخافوا بأيّة حال وفي كلّ الظروف بل عليهم أن يعيشوا حالة التوكل على اللَّه تعالى ويواجهوا تحديات الواقع بشجاعة وشهامة ، ويسيروا بهذه الروح المعنوية في خطّ الرسالة وتحقيق الأهداف المقدسة . وطبقاً لما ورد في سورة القصص في الآية ( 31 ) أنّه قيل لموسى :
« يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ »
. فشعر موسى بهذا الخطاب الإلهي بالطمأنينة والسكينة تدغدغ أعماق قلبه واستعاد قوته ورباطة جأشه ، وهنا جاءه النداء الإلهي يحمل دستوراً أكبر وأهم ، وهو أنّ لا يكتفي بعدم الخوف من هذا الثعبان العظيم بل يجب أن يتجه إليه ويأخذه بيده حتّى يعود إلى حالته الأولى !
« قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى »
« 2 » . ومن المعلوم أنّ هذا العمل كان يمثل لموسى الصعوبة البالغة ، ولكنه نجح أخيراً في الامتثال والإذعان لهذا الأمر الإلهي . أجل فإنّ على موسى أن يستوعب التجربة الكبيرة في محضر الذات المقدّسة ليقف أمام ثعبان أكبر وأخطر من هذا ، أي فرعون والملأ من قومه وحكومته الجبارة الّتي يجب أن يأخذها موسى منهم كما يأخذ عصاه . الكثير من المفسّرين ذهبوا في تفسير كلمة ( جان ) في الآية أعلاه تعني صغار الحيّات الّتي تهجم على الشخص بسرعة ، في حين أنّه في مكان آخر تتحدّث الآيات عن عصى
هامش
( 1 ) . سورة النمل ، الآية 10 . ( 2 ) . سورة طه ، الآية 21 .
الأخلاق في القرآن — صفحة 212 | الشيخ ناصر مكارم الشيرازي