نفسه على هذه الرسالة ويكرّس لها حياته . و « الإصابة في سبيل اللّه » كقوله تعالى :
فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ
( 146 ) ( آل عمران ) ، هي أن يلحق المؤمن الأذى من جرّاء إيمانه وجهاده ، فيهن ويضعف ، ومن أخطر ما يصاب به المؤمن في الجهاد « الوهن النفسي » أو ما يسمى اصطلاحا « وهن المعركة » ، والوهن هو الضعف ، وانكسار الحماس بالخوف ؛ والاستكانة : هي الذلّ والخضوع ، وهي حال ضعيفى الإيمان ، وأما الصادق الإيمان فلا يستكين ، فالمؤمن الحق دائما في رباط ، وصابر لا يضعف لعدو ، ولا يذلّ ، ولا يوهنه جهاد ، وكان شعار بعض الفلاسفة : « أنا أفكر فأنا موجود » ، وشعار المؤمن حقا : « أنا أجاهد فأنا موجود » ، والجهاد الحقّ لا يكون إلا في سبيل اللّه ، والمجاهدون لهم درجة الإحسان وهي أعلى الدرجات ، وكل ما يصيبهم مجازون عليه ، كقوله تعالى :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 121 ) ( التوبة ) .
* * *
1524 - ( القتال مما امتحن به المسلمون )
القتال : هو الجهاد ، تقول قتله أي أماته ، وهي كلمة نستعملها يوميا ، والقتال مكروه لأن الإنسان فيه إما قاتل وإما مقتول وكلاهما شرّ ، وأمّا الجهاد فهو مصطلح قرآني ، من جهد مجاهدة وجهادا ، أي قاتل في سبيل اللّه دفاعا عن الدين ، يفعله المرء طواعية وعن رضا ، وفي الآية :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 216 ) ( البقرة ) ، ذكر القتال ولم يذكر الجهاد ، لأن تخوّفنا من القتل وليس من الجهاد . والقتال مما امتحن به المسلمون ، والمراد قتال الأعداء المعتدين ، ولم يؤذن للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم في القتال مدة إقامته في مكة ، فلما هاجر واستمر أذى أعداء الإسلام للمسلمين ، رغم تركهم مكة ، أذن لهم في قتال من يقاتلهم ، فقال تعالى :
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا
( 39 ) ( الحج ) ، فلما تبيّنوا أن العدوان يأتيهم دوما من المشركين وأهل الكتاب دون غيرهم ، وبصرف النظر عن أي سبب ، أذن لهم في قتالهم عموما دون انتظار أن يهاجمهم هؤلاء أو أولئك . والقتال في الطوارئ وأثناء الحرب فرض عين على كل مسلم ، وفي أوقات السلم فإن الانضمام للجيش وقضاء فترة التدريب ، يكونان على الكفاية ، إلا أن ينزل العدو ببلاد الإسلام فهو حينئذ فرض عين . ويذهب