أنه الرجوع عن القتال والكفر معا ، لا عن القتال وحده ، لأنه لا غفران لكافر مصرّ على الكفر ، وإنما يغفر له إذا أسلم . وفي الآية الثانية الناسخة نفس الشيء ، فالمغفرة مرتبطة بأن ينتهوا ، وعلى ذلك لا تعارض ولا نسخ ، لأن الآية المدّعى بأنها ناسخة تقول ما قالته الآية المدّعى بأنها منسوخة .
* والآية :
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها
( الأنفال 61 ) : قيل : إن الآية :
فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ
( محمد 35 ) تنسخها ، وذلك ليس صحيحا ، فالآيتان محكمتان ونزلتا في وقتين مختلفي الحال ، وآية
وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ
مخصوصة في قوم بأعيانهم ، والأخرى عامة فلا يجوز مهادنة الكفّار إلا عند الضرورة إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين ، وقيل : آية السلم نسختها الآية :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
( التوبة 29 ) ، والآية :
فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ
( التوبة 5 ) غير أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه ، فأما بخلاف ذلك فلا يجوز ، والآيتان حكمهما غير ناف لحكم آية السلم ، وآية السلم في يهود بني قريظة وهم أهل كتاب ، وآية القتال في المشركين ، والأولون تقبل منهم الجزية وليس كذلك المشركون ، فليس في إحدى الآيتين نفى حكم الأخرى ، بل كل واحدة محكمة فيما أنزلت فيه .
* والآية :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
( 65 ) : قيل : نسختها الآية :
الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
( 66 ) ( الأنفال ) ، ووجه النسخ أن الآية الأولى أفادت وجوب ثبات الواحد للعشرة ، وأما الثانية فأفادت وجوب ثبات الواحد للاثنين ، وهما حكمان متعارضان ، فتكون الثانية ناسخة للأولى ، وقيل : لا تعارض بين الآيتين ولا نسخ ، لأن الثانية لم ترفع الحكم الأول ولكنها خفّفته ، وهو إذن تخفيف وليس نسخا .
* والآية :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا
( الأنفال 72 ) : قيل : نسختها الآية :
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ
( الأحزاب 6 ) ، لأن ولايتهم لبعضهم البعض كانت تجعلهم يرثون بعضهم البعض ، فلما نزلت « أولوا الأرحام » صار الميراث لذوي الأرحام من المؤمنين ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألحقوا الفرائض بأهلها » . والصحيح أن الولاية لا يدخل فيها التوريث ، وأن الآية خاصة بالنصرة والمعونة ، ولذا جاء بعدها مباشرة :
وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
( الأنفال 72 ) ، وإذن فليس هناك نسخ ، والآية محكمة .
* * *