تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 792

مساهمون:

ص٧٩٢
فيه ، ولما سمعها الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال : « اجعلوها في سجودكم » . فكانوا إذا قرءوا السورة في الصلاة ، فعند ذكر « فسبّح اسم ربّك الأعلى » ، يقطعون القراءة ويقولون : « سبحان ربّى الأعلى » ، ولم يكونوا يقولون : سبحان اسم ربّى الأعلى ، لأن الاسم هو المسمى ، وظن البعض أن قول : « سبحان ربّى الأعلى » تزيّد في السورة ، وقال آخرون تبريرا بل لقد أمرنا بشيء فقلناه ، فسبحان ربّنا الأعلى الذي خلق الخلق فسوّى خلقتهم ، وسوّى الأجنة في بطون أمهاتها ، وسوّى الأفهام ، وسوّى الإنسان وجعله قابلا للتكليف ، وقدّر كل شئ وهداه لقانونه ، ووفّقه لشكله وسمته ، وأرشده لما قضى به له من السعادة والشقاوة ، والهداية أو الضلال ، ولما قدّره من الأرزاق والمعايش له وللناس كافة وللحيوان والطير وكل المخلوقات ، وكما قال :
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
( 50 ) ( طه ) ، يعنى قدّر في الأشياء منافعها ومضارها ، وقدّر ما يصلح كل إنسان وحيوان ، وأخرج المرعى ، وأنبت الزروع ، حتى استوت واخضرّت ونضجت على أعوادها ، فذلك قوله تعالى :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى ( 3 ) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى ( 4 ) فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى
( 5 ) . والجزء الثاني من السورة هو قوله تعالى :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى ( 6 ) إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى
( 7 ) وهو يخصّ طريقة قراءة القرآن ، وقراءته على أي حال واجبة على الناس :
فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
( المزمل 20 ) ، وعلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم :
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ
( 3 ) ( العلق ) ، وما سمّى القرآن قرآنا إلا ليقرأ ، وللقراءة أركان : فقبل القراءة تكون الاستعاذة باللّه من الشيطان الرجيم ( النحل 98 ) ، وعند القراءة يكون الاستماع والإنصات ( الأعراف 204 ) ، وتكون القراءة للتدبّر ( محمد 24 ) ، وبالنسبة للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم فالقراءة إما تلاوة أو ترتيل ، وفي كل الأحوال هي قراءة لحفظ واستذكار ، وما جعلت قراءة القرآن أصلا لينسى ، وإنما ليحفظ ويذكر ، ولتكون آياته منهج حياة ، كقوله تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ
( القمر 17 ) ، وعلى ذلك فليس صحيحا أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أو كل جبريل أن يحفّظه القرآن ، بدعوى أنه كان أميا ، وكان لذلك ينسى ! ومن ثم نزلت - بزعمهم - الآية :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
( 6 ) بمثابة الوعد من اللّه تعالى بأنه لن ينسى من بعد هذه الآية ! ولا دليل في الآية على أن حاله صلى اللّه عليه وسلم في حفظ القرآن هو حال الإنسان الأمى ، وإنما الآية تلحق بما يشبهها في هذا المعنى ، وبما يفسّرها أيضا ، كقوله تعالى :
وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ
( طه 114 ) ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم لم يكن يعطى صحفا ليقرأ منها ، وإنما كان القرآن يتلى عليه ، ومنذ أول سورة نزلت عليه ، وهي سورة « اقرأ » ، كان يستظهر ما يقال له ، ويعيه سرّه ويذكره قلبه ، وتحفظه ذاكرته ، والمعنى إذن لقوله :
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 792 | عبد المنعم الحفني