تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 781

مساهمون:

ص٧٨١
المسافة بين الأصحاب . وكانوا قد اتهموه صلى اللّه عليه وسلم بالجنون ، لأنه إذا أوحى إليه يعرق بشدة ويسكن جسده إلى أن يرتفع عنه الوحي ، وكان يقول إنه رأى جبريل في صورته كما هو عند ربّه ، فكان ذلك سببا آخر أن يوصف بالجنون ، والسورة تنفى عنه التهمة وتؤكد للمؤمنين صدقه فيما قال :
وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ( 24 ) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 25 ) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
( 26 ) ، وقوله :
رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
، فلأن جبريل كان ضخما يسدّ الأفق ، ووصف الأفق بالمبين أي الواضح ، بحيث أن رؤيته له كانت حقيقة وليست وهما . وأما من قال إن « الهاء » في « رآه » تعنى اللّه سبحانه وتعالى ، فذلك أمر بعيد ، فاللّه تعالى :
لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ
( الأنعام 103 ) ، وإنما كانت الرؤية لجبريل بصورته الملكية مرتين ، فمرة :
بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
( 23 ) ( التكوير ) و
بِالْأُفُقِ الْأَعْلى
( 7 ) ( النجم ) ، ومرة :
عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى
( 14 ) ( النجم ) - ( انظر هل رأى محمد ربّه ؟ ضمن باب « النبوة والنبىّ » ) ، وتصف الآية النبىّ بأبلغ بيان :
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
( 24 ) أي لا يضن عليهم بما يعلم ، تصديقا لقول عائشة فيه صلى اللّه عليه وسلم : أنه ما كتم شيئا من الدين . والغيب هو القرآن وخبر السماء . ورؤيته لجبريل من الغيب . ولو نجحت خطة المنافقين وشككوا الناس في رؤيته لجبريل ، لكان معنى ذلك أنه متّهم كذلك بشأن القرآن ، ولذا يجيء في هذه السورة :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 25 ) ، وبه يبدأ الجزء الثالث من السورة ، و « هو » المقصود بها القرآن ، وكانوا يتقوّلون : أنّ النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، يأتيه شيطان أبيض في صورة جبريل يريد أن يفتنه ، وأن القرآن من وحيه - أي وحى الشيطان . وردّت الآية عليهم بسؤال إنكار وتوبيخ :
فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
( 26 ) ، يعنى : ما هذا الهراء الذي تقولون ؟ وإلى أي درك من قلة العقل والحمق يأخذكم الكفر والعناد والجحود ؟ والجواب على السؤال :
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 29 ) ، أي إن هذا القرآن موعظة وذكر لكل الناس ، فمن أراد منهم الهداية واتّباع الحق ، فلا هداية فيما سواه ، وأنهم ما يقدرون على شئ إلا بتوفيقه تعالى ولطفه ، فلنسأل اللّه التوفيق . قيل :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
( 28 ) قال أبو جهل : الأمر إلينا إذن - إن شئنا استقمنا ، وإن شئنا لم نستقم . فأنزل اللّه :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 29 ) ، فبيّنت الآية أنه لا يعمل العبد خيرا إلا بتوفيق من اللّه ، ولا شرا إلا بخذلان من اللّه ، فاللّه أولا وأخيرا ، والحمد للّه ربّ العالمين ، نسأله التوفيق ، فمنه وبه التوفيق والعصمة ، وفي كتابه الفلاح والحكمة . * * *