وقوله :
وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ
( المائدة 46 ) ، وقوله مع ذلك أن اليهود :
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ
( النساء 46 ) ، وقوله :
يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ
( البقرة 75 ) ، والتحريف منه ما يشمل النصوص ، ومنه ما يتوجه إلى العقيدة ، كقول اليهود :
عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ
( التوبة 30 ) ، وكقوله تعالى في النصارى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
( 72 ) ( المائدة ) ، وقوله :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
( المائدة 73 ) ؟ ! والجواب : أن الإيمان المقصود به أولا أن نؤمن بأن هؤلاء الأنبياء من لدن اللّه ، وأن هذه الكتب من عنده تعالى ، مع القول بأن الإسلام قد أسقط التعبّد بما تقدّم من الشرائع ؛ أو أن المقصود أن نؤمن بما لم ينسخ من هذه الشرائع . وعن أبي هريرة قال كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذّبوهم ، وقولوا : « آمنا باللّه وما أنزل . . » الآية ، يعنى نحن نؤمن بكتبهم تاريخيا ولا نؤمن بما تتضمنه من أخبار اليهود والنصارى ، وما حوته مما يخالف الإسلام .
* * *
558 . معنى أن التوراة إمام ورحمة
التوراة هي ألواح موسى ، وأما هذه الأسفار الخمسة الموجودة حاليا فيسميها اليهود كتب الشريعة الخمسة ولا يسمونها التوراة . وكذلك يسمون الأسفار الخمسة والأربعين التي منها الأسفار الخمسة كتب العهد القديم . وليس هناك شئ اسمه التوراة عند اليهود ، وإن قالوا ذلك فهو تجوّز منهم ، ويقصدون به الأسفار الخمسة ، والسفر هو الكتاب ، وموسى لم تتنزّل عليه هذه الأسفار ، ولكنها من كتابة عزرا الذي يرد اسمه معرّبا في القرآن « عزير » ، وهو يحكى فيها عن موسى في حياته وبعد مماته ، ومن غير المعقول أن يحكى موسى عن نفسه ميتا ويقول « لمّا مات موسى كان ذلك في أرض موآب ، ودفن هناك ، ولم يعرف أحد قبره ، وبكاه بنو إسرائيل ثلاثين يوما ! وإذن فالأسفار ليست من عمل موسى ، ولا تدعو إلى اللّه ، وإنما الدعوة فيها لبنى إسرائيل ، ولشعب إسرائيل ، والتأليه فيها ليس للّه وإنما للشعب ، ومع ذلك نستطيع أن نستخلص بعض الأحكام مما يوافق العقل وخاصة في المسائل الخاصة باللّه تعالى وهي قليلة جدا ، ونستطيع أن نقول بثقة أنها من أحكام التوراة وشملتها ألواح موسى . والقرآن عندما يأتي فيه عن التوراة :
وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ
( الأحقاف 12 ) ، لا يعنى هذه الأسفار السابقة ، ولكنه يقصد إلى التعاليم الأصول لموسى . والآية تتحدث عن القرآن وتقول إنه قبل