الآبدين ، فعلم السابقون ، ويعلم الحاضرون ، أن القرآن ليس من نظم محمد ، ولا من اختراع بشر ، وأنه لا يمكن إلا أن يكون من لدن اللّه ، فما كان نظمه معهودا كالنظم السابق ، فلما وضعوه على أقراء الشعر لم يلتئم على لسان أحد أنه شعر ، ولم يكذّبه الكهنة ، وسمعه السحرة فأقروا بأنهم لم يسمعوا مثله قط . وقد تكلم المستشرقون والأحبار والقساوسة في القرآن من جهة الأسلوب ، فأجزموا بأنه مخالف لجميع الأساليب الماضية والحاضرة ، وأن جزالة لفظه لم تصحّ لمخلوق ، واجتمع في كل سورة وآية من النّظم ، والأسلوب ، والجزالة ، ما أذهل السابقين واللاحقين ، وامتلأ القرآن بأخبار الأمم الغابرة ، وقصّ القصص عن الأنبياء ، فلم يقل إلا حقا ، وما من وعد وعد به إلا تحقق ، وأخبر عن أمور من المستقبل ، ووعد بإظهار الدين فحدث ، وذكر أطرافا من العلوم فما جاء منها أثبته العلم الحديث ولم يعارضه ، وتوافق ما ظهر منه وما بطن ، فلم يدع لشئ ظاهرا وأبطن نقيضه ، فلما عارضه المعارضون فشلوا ، لأن ما شغلهم هو الأسلوب ، وأما المعاني والأخبار فقد حاروا فيها ، فكيف يأتون بها وعلمهم هو علم بشر ، وما كانت لديهم من قصص وأخبار عن السابقين . ولنتأمل سورة مثل سورة الكوثر ، وهي أقصر سور القرآن ، فلم تزد عن ثلاث آيات قصار ، ومع ذلك أخبرت عن مغيّبين هما الكوثر ، والوليد بن المغيرة الذي كان يكن البغض لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان الوليد هذا عند نزول الآية صاحب مال وعيال ، فنزل فيه :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً ( 11 ) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً ( 12 ) وَبَنِينَ شُهُوداً ( 13 ) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً
( 14 ) ( المدثر ) ، فأنبأ أنه يهلك ماله وولده وينقطع نسله ، وقد كان .
وكان الخبر عن أبي لهب وامرأته تحديا لهم ، وكان باستطاعتهما أن يكذّبا السورة بإعلان إسلامهما ، فلم يفعلا ، وصدق قوله تعالى في القرآن فيهما علما وعدلا .
وانظر إلى آية من الآيات ، ولتكن مثلا :
وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
( 7 ) ( القصص ) ، فقد جمعت في كلماتها القليلة أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين ، فدلّت على أن بلاغة القرآن في القمة ، ولو كان القرآن من تأليف محمد صلى اللّه عليه وسلم كما ادّعى المدّعون ، لكان أسلوب القرآن أقل مرتبة ، فلمّا كان يتجاوز الإرباء والزيادة ، فلا بد أنه من تأليفه تعالى وليس من تأليف بشر .
وقارن بين آخر ما يمكن أن يبلغه علم محمد صلى اللّه عليه وسلم وملكته ، وبين حال القرآن في العظمة والسمو والرفعة ، فمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، قال مثلا عن الجنة : « فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » أخرجه مسلم ، بينما قال تعالى في القرآن :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
( 71 ) ( الزخرف ) ،
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ
( 17 )