تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1051

مساهمون:

ص١٠٥١
الحرب بين الفلسطينيين واليهود على ذلك ، لأنها لم تكن موقعة على الحقيقة ، ولكنهم كانوا جماعة من هؤلاء وأولئك يقفون في صفين متقابلين ، فيخرج من هؤلاء واحد فيلاقيه واحد من أولئك ، فلما خرج جوليات تصدّى له داود بأدوات بدائية ، وبسبب جسارته وحيلته ، صار داود ملكا ، واعتبر خلعه للباس الحرب الذي ألبسه إياه شاول ، دليل ذكاء يحسب له كمحارب ، لأن جوليات كان يضع عدّة الحرب فكانت ثقيلة تبطئ حركته ، فاستغل داود تلك السلبية فيه ، وأسرع يلتف حوله ليتمكن منه . ويعرض القرآن لقصة جالوت مع داود ضمن سورة البقرة وخلال سرده لقصة طالوت الذي هو شاول بالعبرية ، فقد كان شاول وجنوده قد جاوزوا النهر إلى جت ، فلما علموا أنهم ملاقو جالوت وجنوده قالوا :
لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 249 ) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ ( 251 ) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
( 252 ) ( البقرة ) . وبمقارنة قصة صموئيل السالفة بقصة القرآن هذه ، يتبين الاختلاف بينهما كأوسع ما يكون الاختلاف ، والقصص في الروح اليهودية للسرد تفصيلا وتهويلا بقصد إظهار عظمة شعب اليهود لا غير ، وأما في الروح العربية فالقصص للعبرة والتدبّر ، وفيها الحكم ، وعباراتها تزجى كالأمثلة ، ومنها الكثير مما يعد من جوامع الكلم . ولم يورد القرآن اسم جالوت كشخصية تاريخية ، وإنما كرمز للقوة الغاشمة ، وفساد فرط الثقة بالنفس ، وعقم البغى وبطلان العدوان ، اعتمادا على القوة بلا إيمان . وجنود جالوت في الرواية القرآنية هم أصحابه من جنسه وهيئته وصنعته . وليس في الروايتين اليهودية والقرآنية أي ذكر لعدد الجنود من الجانبين . وفي الرواية اليهودية أن اليهود كانوا غالبية يملؤهم الخوف وإيمانهم على حرف ، ولم يرد أي شئ عن المؤمنين . وفي الرواية القرآنية فإن الدليل على قلة إيمان هذه الغالبية ، قولهم لا طاقة لنا بجالوت وجنوده ، غير أنه كان ضمن هؤلاء ثلة شديدة الإيمان ، وهؤلاء هم القلة الذين اجتازوا النهر وأطاعوا طالوت فلم يتناولوا من مائه ولو شربة ، وقال فيهم القرآن :
قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ
( البقرة 249 ) ، والظن يتوسط الشك والوهم ، فالشك سلبى ، والظن لا هو بالسلب ولا بالإيجاب ، فإن مال للإيمان وللإيجابية صار يقينا ، وإن نحا إلى السلبية فهو الشك ، وإن كان على خطأ ظاهر فهو الوهم . وظن هؤلاء كان يقينا ، لأنهم قالوا :
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ