عاشور : « وتلك العدّة المجعولة لفوائد أخرى لغير الذين كفروا ، الذين يفوضون معرفة ذلك إلى علم اللّه وإلى تدبر مفيد » . لاحظ قوله « وإلى تدبّر مفيد » . فاعتقاد المؤمن بأنّ القرآن الكريم هو كلام اللّه العليم الحكيم ، يجعله يقف الموقف الإيجابي ، فيعمل عقله ، ويتدبر آيات القرآن ، وآيات الكون المخلوق ، لعلمه بأن اللّه أنزل ، وبأن اللّه خلق .
ومن هنا لا يصحّ أن نسارع إلى تفويض علم ذلك إلى اللّه تعالى ونقطع الأمل في إمكانية إعمال العقول في مثل هذه الكنوز والأسرار . ولا يتناقض سعينا إلى العلم والمعرفة مع تسليمنا بقصور العقل البشري عن إدراك كل الحقيقة ، بل إنّ الزيادة في المعرفة البشرية لهي الدليل القاطع على قصوره الدائم . ثمّ أليس التّدبّر من واجبات المسلم الأساسية ؟
أصحاب المنهج الإيماني تقودهم منهجيّتهم إلى الوصول وإدراك الحكمة . أمّا أصحاب المنهج الإلحادي فيدورون في حلقة مفرغة لا توصلهم إلى فهم صحيح .
فالمقدمات عندهم لا تقودهم إلى نتائج ، بل تجعلهم يتساءلون عن مفهوم العدد ( 19 ) ولما ذا لا يكون العدد ( 20 ) بل لما ذا لا يكون العدد ( 1000 ) ؟ ؟ . . وهكذا من غير نتيجة .
*
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
. هذا التعقيب يدلّ على أن الفتنة يقصد بها فرز النّاس وتمييزهم ، انظر قوله تعالى :
أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 2 - 3 ] . ويبقى السؤال قائما : كيف سيكون العدد ( 19 ) فتنة يخرج من رحمها اليقين ؟
*
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
: يقول الزمخشري : « فلا يعز عليه الزيادة على عدد الخزنة المذكور ، ولكن في هذا العدد الخاص حكمة لا تعلمونها » .
ويقول الرازي :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ
لفرط كثرتها
إِلَّا هُوَ
فلا يعزّ عليه تتميم الخزنة عشرين ، ولكن له في العدد حكمة لا يعلمها الخلق ، وهو جل جلاله يعلمها .
*
وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
: يقول أبو بكر الجزائري في « نهر الخير على أيسر التفاسير » : « جائز أن يكون الضمير ( وما هي ) عائدا إلى عدّة الملائكة التّسعة عشر ، وجائز أن يكون عائدا إلى الآيات القرآنية ، أو إلى سقر ، أو إلى جنود ربك . . وهذا من الإعجاز