سورة المدّثر مدخل إلى الإعجاز العددي
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ
هي أوّل ما نزل في النّبوة ، بل أوّل ما نزل مطلقا .
أما
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
فهي أوّل ما نزل في الرّسالة . جاء في « البرهان » للزّركشي :
أنّ ( النبوة ) عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف خاص .
و ( الرسالة ) عبارة عن الوحي إلى الشخص على لسان الملك بتكليف عام . وما يهمنا في هذا المقام سورة ( المدّثر ) والتي هي أول ما نزل في الرسالة .
وبما أنّ السورة لم تنزل جملة واحدة ، فإنّها تسجل لحظات البداية ، وما تبعها من تكذيب ومعاندة ، ومحاولات لإبطال الحقيقة القرآنية . كما وتتحدث السورة عن الإخفاق الذي مني به أهل الشرك في مجال الحجة ، مما دعاهم إلى سلوك طريق المعاندة والإعراض شأن كل متكبر ، وشأن كل من تطغى على عقله وقلبه الشهوات والمصالح ، وشأن كل من يألف الواقع بسلبيّاته فينفر من كلّ تغيير وإن حمل الخير والبركة .
هنا لا بدّ من صدمة التّهديد والوعيد ، لإسقاط الحواجز والحجب ، ولا بدّ من الشّعور بالخطر لاستنفار الطاقات ، والخروج عن مألوف العادات والتقاليد ، فكان التهديد ب ( سقر ) وهي جهنم التي لا تبقي على شيء :
لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ
والّتي من شأنها أن تحرق فتغير كل معالم الجمال المؤقت الذي يغترّ به الذّاهلون عن حقيقة الدنيا الزائفة :
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ
يقوم عليها
تِسْعَةَ عَشَرَ
من الملائكة ، يحتمل أن يكونوا تسعة عشر فردا من هذه المخلوقات الكريمة ، أو تسعة عشر نوعا أو صنفا لا ندري .
يقول سيد قطب في الظلال : « أمّا لما ذا كانوا تسعة عشر - أيّا كان مدلول هذا العدد - فهو أمر يعلمه اللّه الذي ينسق الوجود كلّه ، ويخلق كل شيء بقدر » .
هذا كلام مقبول وجميل ، ولكن هل يعتبر العدد هنا من قبيل المتشابه الذي لا مطمع للإنسان في إدراك بعض حكمه ومراميه ، أم أنّه الإشارة التي تطلق العقل البشري في اتجاه مفاتيح الكثير من المعاني والأسرار ؟ ! فالأصل أن يعمل الكلام ولا يهمل .
*
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ * وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا . .
لقد فصّل القرآن الحديث حول هذا العدد اللغز :
وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ