والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة .
قال ابن القيم : الحمية حميتان : حمية عمّا يجلب المرض وحمية عما يزيده ، فالأولى حمية الأصحاء والثّانية حمية المرضى .
والأصل فيها قوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
[ النساء : من الآية : 43 ] . فحمي المريض عن استعمال الماء لأنّه يضره . . وأنفع ما تكون الحمية للنّاقه ، فإنّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوتها ، القوّة الهاضمة ضعيفة والطبيعة مستعدة فتخليطه يوجب انتكاسها .
واعلم أن في منع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لعليّ من الأكل من الدّوالي وهو ناقة ، أحسن التّدبير ، فالدّوالي رطب معلق في البيت والفاكهة تضرّ بالنّاقه من المرض لسرعة استحالتها وضعف الطبيعة عن وقتها ، وفي الطبّ خاصّة ثقل على المعدة ، فتشتغل بمعالجته وإصلاحه عما هي بصدده من إزالة بقية المرض وآثاره .
فلما وضع الشّعير والسّلق بين يديه أمره بأكله فإنّه من أنفع الأغذية للنّاقه ، فإنّ في ماء الشّعير من التّبريد والتّغذية والتّلطيف والتّليين ما هو أصلح للنّاقه لا سيما إذا طبخ بأصول السّلق فهذا من أوفق الغذاء لمن في معدته ضعف .
ومما ينبغي أن يعلم أن كثيرا ممّا يحمى عنه العليل والنّاقة إذا اشتدّت الشّهوة إليه فتناول منه الشّيء اليسير الذي لا تعجز الطبيعة عن هضمه لم يضره تناوله ، بل ربما انتفع به ، فإنّ المعدة والطبيعة تتلقيانه بالقبول والمحبّة فيصلحان ما يخشى ضرره .
ولذا فقد أقرّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم صهيبا على تناول التّمرات اليسيرة كما يروي صهيبا رضي اللّه عنه قال :
قدمت على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وبين يدي خبز وتمر ، فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ادن فكل » فأخذت آكل من التّمر فقال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « تأكل تمرا وبك رمد ؟ » قال فقلت : إنّي أمضغ من ناحية أخرى فتبسّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . [ رواه ابن ماجة ] .
وإنه لمن المعجز حقا التّوافق التّام بين هدي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في الحمية وبين معطيات الطبّ الحديث ، والذي يعرّف الحمية بأنّها التّدبير الغذائي الخاص بالمريض من إلزامه منهاجا من الغذاء لا يتعدّاه أو منعه من بعض أنواع الأغذية أو الأشربة التي أضحت مؤذية له بسبب مرضه .