فضل المعجزة القرآنيّة على المعجزة الحسّية
لقد أيّد اللّه سبحانه أنبيائه ورسله بالمعجزات لتكون برهانا وشاهدا على صدق ما جاءوا به من البيّنات والهدى ، بيد أنّه قد لوحظ أنّ المعجزات التي سبقت معجزة نبيّنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم كانت معجزات حسّية تعتمد أساسا على خرق ما اعتاد الناس عليه وألفوه .
وجاءت معجزة خاتم المرسلين معجزة عقلية فكرية بلاغية ، تناسبت مع تطوّر البشريّة من حالة الجهالة المطبقة ، والظلام الدامس ، إلى حالة إعمال العقل وتحرير الفكر ، وإن شئت قل : حالة استعداد البشرية لتلقّي خطاب العقل ، وتشوفها نحو حرية الفكر .
وجاءت معجزة القرآن معجزة عقلية ، تناسب كون هذه الرّسالة جاءت للنّاس كافّة ، وإلى الأزمان عامّة ، فاعتمد إعجازه على أمر خارج تطورات المعارف وتباين الثقافات .
جاءت معجزة هذا الدّين مرتكزة أساسا على عقل الإنسان ، فهو خاصية له وصفة ذاتية فيه ، لا تزول ولا تتبدل بالتبدلات والتغيرات الزمانية والمكانية .
ثمّ إنّ كلّ نبيّ من الأنبياء إنّما أوتي آية حسّية كانت فاعلة معه ما دام حيّا ، فلمّا مات الأنبياء ماتت بموتهم المعجزات ، وفنيت بفنائهم ، حتى جاء نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم بمعجزة القرآن الباقية بقاء الدّهر ، وانتقل صلّى اللّه عليه وسلّم إلى الرّفيق الأعلى وبقيت معجزته سراجا منيرا ، ومنارا مستنيرا ، وشاهدا ودليلا على خلود هذا الدّين ، وأنّه الدّين الذي ارتضاه سبحانه لعباده ، والذي لا يقبل من أحد سواه .
لقد ورث الناس عن أنبيائهم شرائع وأحكاما ولم يرثوا عنهم معجزات ، وورث المسلمون عن نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم شريعة هي آية باهرة ، وآية هي شريعة ومنهاج وصراط مستقيم .
وهذا هو الوجه الأهم والأبرز في إعجاز القرآن ، إذ وظيفة الآية للأنبياء إثبات صدقهم وبلاغهم عن ربهم ، فبها يؤمن الكافرون ، وبها يهتدي الضّالّون ، فإذا مات الأنبياء عادت المعجزات الحسية أخبارا تروى لا حقائق تشاهد وتحسّ وتبصر .
وهذا فيصل التفرقة بين معجزات الأنبياء ، ومعجزة نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إذ المعجزة