إلى ما أمام المنظور طغيان . والكمال أن لا يصرف بصره يمنة ولا يسرى .
ويرى ابن القيم ان هذه الآية فيها اسرار عجيبة وفيها من دقائق الآداب ما يليق بأكمل البشر صلوات اللّه وسلامه عليه ، حيث اتفق هناك بصره وبصيرته ، فما شاهدته بصيرته فهو أيضا حق مشهود بالبصر . ولذلك قال التنزيل :
« ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ، أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى »
« 1 » .
أي ما كذب الفؤاد ما رآه ببصره ، بل استقامت البصيرة واستقام البصر ، واعتدل البصر نحو المرئي ، ما جاوزه ولا مال عنه ، كما اعتدل القلب في الاقبال على اللّه ، والاعراض عما سواه ، فلم يزغ قلبه التفاتا عن اللّه على غيره ، ولم يطغ بمجاوزته مقامه الذي أقيم فيه ، وهذا غاية الكمال والأدب مع اللّه الذي لا يلحقه فيه سواه .
وإذا نظرنا في أحوال رسل اللّه وأنبيائه وجدناها مشحونة بمواطن الأدب قائمة على أساسه ، فهذا هو عيسى بن مريم عليه السّلام ، يخاطب ربه بقوله :
« تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي »
« 2 » .
ثم برأ نفسه عن علمه لغيب ربه فقال :
« وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
« 3 » .
ثم وصف ربه بانفراده بعلم الغيب كله فقال :
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآية 11 و 12 .
( 2 ) سورة المائدة ، الآية 116 .
( 3 ) سورة المائدة ، الآية 116 .