وان للوفاء لشأنا وخبرا عند أعلام هذه الأمة المحمدية المؤمنة ، فهذا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وكرم اللّه وجهه ، يقول : « ان الوفاء توأم الصدق « 1 » ، ولا أعلم جنّة « 2 » أوفى منه ، ولا يغدر من علم كيف المرجع « 3 » . ولقد أصبحنا في زمان قد اتخذ أكثر أهله الغدر كيسا « 4 » ونسبهم أهل الجهل إلى حسن الحيلة . مالهم قاتلهم اللّه ؟ . قد يرى الحوّل القلّب « 5 » وجه الحيلة ودونه مانع من أمر اللّه ونهيه فيدعها رأي عين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة « 6 » له في الدين » .
وكأن الامام يريد أن يقول : ان أهل ذلك الزمان يعدون الغدر من العقل وحسن الحيلة ، سفها منهم وجهلا ، ويقول : ما لهم قاتلهم اللّه يزعمون ذلك ، مع أن الانسان البصير بتحويل الأمور وتقليبها قد يرى وجه الحيلة في بلوغ مراده ، ولكنه يجد دون الاخذ بالحيلة مانعا من أمر اللّه ونهيه ، فيدع الحيلة وهو قادر عليها ، مبصر لها بعينيه ، خوفا من اللّه تعالى ، ووقوفا عند حدوده « 7 » .
وللأستاذ الإمام محمد عبده كلمة يصور بها أثر الوفاء في عظمة الشعوب والأمم ، يقول فيها :
هامش
( 1 ) التوأم الذي يولد مع الآخر ، والمعنى أن الصدق والوفاء قرينان .
( 2 ) الجنة - بضم الجيم - : الوقاية .
( 3 ) من علم أن رجوعه إلى اللّه لا يقبل الغدر ولا يفعل الخيانة .
( 4 ) أي يعدونه من باب التعقل وحسن الحيلة .
( 5 ) الحول القلب : البصير بتحويل الأمور وتقليبها . أي انه قد يعرف الحيلة ولكنه لا يفعلها خشية لله تعالى .
( 6 ) الحريجة : التحرج ، أي تجنب الآثام خشية من اللّه سبحانه .
( 7 ) انظر نهج البلاغة ، ج 1 ص 88 .