تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
أو ما تنظرين إلى الدين مضوا : كيف بنوا وعلوا ، ثم ذهبوا وخلوا ، وكيف أورث اللّه أرضهم وديارهم أعداءهم ؟ . أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون ، ويبنون ما لا يسكنون ، ويؤملون ما لا يدركون ؟ . يبني كل واحد قصرا مرفوعا إلى جهة السماء ، ومقره قبر محفور تحت الأرض ، فهل في الدنيا حمق وانتكاس « 1 » أعظم من هذا ؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينا ، ويخرب آخرته وهو صائر إليها قطعا . أما تستحين يا نفس من مساعدة هؤلاء الحمقى على حماقتهم ؟ . واحسبي أنك لست ذات بصيرة تهتدي إلى هذه الأمور ، وانما تميلين بالطبع إلى التشبه والاقتداء ، فقيسي عقل الأنبياء والعلماء والحكماء ، بعقل هؤلاء المكبين « 2 » على الدنيا ، واقتدي من الفريقين بمن هو أعقل عندك ، ان كنت تعتقدين في نفسك العقل والذكاء . يا نفس ! ما أعجب أمرك ، وأشد جهلك ، وأظهر طغيانك ! عجبا لك ، كيف تعمين عن هذه الأمور الواضحة الجلية ؟ . ولعلك يا نفس أسكرك حب الجاه ، وأدهشك عن فهمها ، أو ما تتفكرين أن الجاه لا معنى له الا ميل القلوب من بعض الناس إليك ، فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجد لك وأطاعك ، أفما تعرفين أنه بعد خمسين سنة لا تبقين أنت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك ، وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك ، كما أتى على الملوك الذين من قبلك : « هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا « 3 » » ؟ .
هامش
( 1 ) انتكاس : انقلاب على الرأس . وانتكس الرجل في أمره : خاب وخسر . ( 2 ) أكب الرجل على الشيء إذا لزمه ولم يفارقه . ( 3 ) ركزا : الركز الصوت الخفي .
موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 156 | أحمد الشرباصي