تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
فكأن في داخله ميزانا دقيقا عميقا ، يتأثر بما يمر عليه أو يصل إليه ، فإذا هو يتذكر جمال الفضائل ويسعى إليها . ويتذكر قبح الرذائل وينفر منها ، وإذا حاول الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس أن يدخل على الإنسان بخديعة أو تغرير ، ليضله عن السواء السبيل ، أو ليشغله عن واجباته الدينية والدنيوية تنبه وتيقظ وتذكر ، فإذا التذكر يصده عن الخطأ ، ويصونه عن الانحراف ، ويثبته على طريق الاستقامة ، وكأن هذا التذكر قد صار ناقوس تحذير مستمر ، فهو شبيه بالساعة الإلهية الدقاقة في صدر الانسان ، وهي « القلب » لا تزال دقاتها تشعر صاحبها بأنه من الأحياء . ولقد حدثنا ربنا جل جلاله بأن وظيفة القرآن الكريم في الوجود هي إحياء التذكر في النفوس حتى تعقل وتؤمن وتعمل وتستقيم وتلتزم الخير وتجتنب الشر فقال في سورة ص :
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ »
. وقال في سورة الأنعام :
« وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ »
. وقال في سورة الإسراء :
« وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا »
. وقال في سورة طه :
« وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً »
. وقال في سورة الدخان :
« فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ »
. وقال في سورة طه :
« طه ، ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى »
. وقال في سورة الحاقة :
« وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ »
. والتذكرة هي ما يتذكر به الانسان الشيء المنسيّ ، أو يستديم به تذكر الشيء المذكور المستحق لدوام تذكره ، فيكون من المتجملين بفضيلة التذكر ، ويكون قد استجاب لنداء الحق المكرر في سورة القمر :
« وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ » ؟ ! *
والقرآن المجيد يحدثنا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن وظيفته هي التذكير المحقق للتذكر عند كل مستجيب مؤمن ، فيقول اللّه جل جلاله لرسوله في سورة الطور :
« فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ » ،
ويقول في سورة الغاشية :
« فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ »
.