وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
المشاورة : هي طلب النصح والإرشاد . إنّها اعتراف من المستشير بعقل المستشار ودرايته ومعرفته ونصحه له ، وهي ترفع المستشار إلى مقام أعلى .
وإذا كان المستشير رفيع المنزلة فمشاورته تزيد في علوّ مقام المستشار . إنّها عطف من المستشير ، وإبداء لطف منه بالمستشار .
والمشاورة بين القائد وجنوده صفة ديمقراطيّة له ، وتكريم لهم منه ، وهي من فضليات المكارم ، تنفع المستشير ولو كان أنبل منهم وأعقل ، إذ المشاورة ترشد المستشير من خلال أحاديث المستشار إلى معرفة أشياء ربّما يكون المستشار نفسه غافلا عنها ، وتزيد وتوثق عرى المودّة والمحبّة بينهما .
إنّ المشاورة لهي من المفاهيم الإسلامية الحسنى ، ومن مثلها العليا ، أمر اللّه محمّدا بمشاورة قومه بعد أن أمره بالعفو عنهم ، وبعد أن أمره بالاستغفار لهم ، فعفا عنهم بصفته إنسانا شريفا ، واستغفر لهم بصفته نبيّا رؤوفا ، وشاورهم بصفته قائدا عطوفا .
إنّ المشاورة تدعو إلى رفض التفاضل والابتعاد عن الحياة الارستوقراطية وتأسيس حياة ديمقراطيّة .
شاور محمّد صلّى اللّه عليه وآله أصحابه يوم بدر وقال : « أشيروا عليّ . . . »
فقام أبو بكر وقال : يا رسول اللّه إنّها قريش وخيلاؤها ، ما آمنت منذ كفرت ، ولا ذلّت منذ عزّت .
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اجلس فجلس . ثمّ قال : « أشيروا عليّ » فقام عمر وقال مثل مقالة أبي بكر ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : اجلس فجلس .
ثمّ قام المقداد وقال : يا رسول اللّه ، إنّها قريش وخيلاؤها ، وقد آمنّا بك ، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند اللّه ، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس لخضنا معك ، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى :
. . . فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ