إنّ النظر إلى متع الدنيا كهدف هو أن تلقي بزمام نفسك إليها لتصير الدنيا مالكة لك ، وتخرج نفسك عن الحرّيّة إلى العبودية . . . وذلك إذا جعلت غايتك زهرة هذه الحياة ونظرت إليها كهدف .
إنّ الراغب بالدنيا فاقد لنفسه في السّرّاء والضرّاء ؛ لأنّه واثق بما في يده ، وليس واثقا بنفسه ، وكيف يكون حاله إذا فقد ما في يده ؟ !
فهو في السّراء غير ذاته في الضرّاء ، فالفاقد غير الواجد .
والزاهد بالدنيا يكون أغنى منه ؛ لأنّه واثق بنفسه ، ولا يفقد إنسان نفسه ، فهو واجد لنفسه عند السرّاء والضرّاء والشدّة والرخاء .
إنّه أكبر من الدنيا وأعظم . وإنّ متع الحياة أحقر من أن تكون غاية مرموقة لهذه النفس العظيمة ، فهو نفسه في الإيجاد وفي الفقدان .
كان محمّد صلّى اللّه عليه وآله محمّدا حين قام بأداء رسالته وحيدا فريدا . وكان محمّد صلّى اللّه عليه وآله محمّدا عندما نجح في دعوته ورأى الناس يدخلون في دينه أفواجا ، فهو عند هجرته من مكّة خائفا يترقّب ، وهو هو عند عودته إلى مكّة .
عام الفتح
هو محمّد صلّى اللّه عليه وآله عند دعوته مثل عمّار وأبي ذر . وهو محمّد صلّى اللّه عليه وآله عند دعوته مثل كسرى وقيصر ، ولم يفارق محمّد صلّى اللّه عليه وآله نفسه أبدا ، وكان حاكم زمانه ودنياه ، ولم يكن محكوما لزمانه ولدنياه .
دخل يوم فتح مكّة دار بنت عمّه أمّ هاني وهو جائع - وفتح مكّة فتح الفتوح ومفتاح جزيرة العرب - فقال لامّ هاني : هل عندك من طعام نأكله ؟
فقالت : ليس عندي إلّا كسرة يابسة ، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك ، وليس عندي من الإدام إلّا شيء من خلّ ، فقال لها : هلمّي بها .
ولمّا جاءت بها كسرها في ماء وملح وصبّ عليها الخلّ وأكل ، ثمّ حمد اللّه وقال :
نعم الإدام الخلّ يا أمّ هاني ، لا يفقر بيت فيه خلّ .