ولم يكد الفتى يعود إلى الكهف ثانية حتى ضرب اللّه على آذانهم مرّة أخرى . فجاء الناس وشيّدوا هناك - على المغارة - مسجدا ، تبرّكا بهم .
وهنا عدة أسئلة أخرى :
ما هي تلك المدينة التي هرب منها الفتية ولجئوا إلى الكهف ؟
يقول ابن عاشور : والذي ذكره الأكثر أنّ في بلد يقال له : « أبسس » - بفتح الهمزة وسكون الباء وضمّ السين ، بعدها سين أخرى - وكان بلدا من ثغور طرسوس « 1 » بين حلب وبلاد إرمينيّة وأنطاكيّة .
قال : وليست هي « أفسس » بالفاء ، المعروفة في بلاد اليونان بشهرة هيكل المشتري فيها ، فإنّها من بلاد اليونان ، وقد اشتبه ذلك على بعض المؤرّخين والمفسّرين ، وهي قريبة من « مرعش » « 2 » من بلاد إرمينيّة . « 3 » وأبسس هذه هي مدينة « عربسوس » « 4 » القديمة في « كبادوشيا » ، وكانت تسمّى أيضا « أبسس » . وتسمّى اليوم « برپوز » . « 5 » فهل كانت مدينة « أبسس » هذه هي المسرح الذي وقعت فيه تلك الحوادث بما فيها من غرائب ؟
أمّا « ده غوى » فيؤيّد هذا الرأي معتمدا على براهين استمدّها من النصوص . وفي الحقّ إنّ بعض الرحّالة قالوا : إنّهم رأوا في مدينة « أبسس » هذه كهفا كان به جثث ثلاثة عشر رجلا قد يبست . « 6 » قال ياقوت : أبسس ، اسم لمدينة خراب قرب « أبلستين » من نواحي الروم . يقال :
هامش
( 1 ) مدينة في جنوبي تركيا الآسيويّة ( قيليقيا ) . وفيها ولد بولس وفتحها المأمون سنة 788 م وفيها دفن .
( 2 ) مدينة في جنوب تركيا على حدود سوريّة .
( 3 ) تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور ، ج 15 ، ص 21 .
( 4 ) عربسوس : بلد من نواحي الثغور قرب المصيصة ( مدينة على شاطئ نهر جيحان قرب طرسوس - تركيا ) .
( 5 ) دائرة المعارف الإسلاميّة المترجمة ، ج 2 ، ص 242 .
( 6 ) ليس في ذلك دليل ، لأنّ العثور على جثث متيبّسة في الكهوف ، كان أمرا شائعا ذلك العهد . ووجد من ذلك الكثير وليس هذا وحده .