وهذا الغرض يهدف في حقيقته إلى بيان إبراز الصلة الوثيقة بين الشريعة الإسلاميّة وسائر الشرائع الإلهيّة التي دعا إليها الرسل والأنبياء جميعا ، وإنّ الإسلام يمثّل امتدادا لها ، ولكنّها يحتلّ منها مركز الخاتمة التي يجب على البشريّة جمعاء الرضوخ إليها :
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ . . .
. « 1 » وبذلك يسدّ الطريق على أهل الزيغ الذين يلتهجون بمساقاة الأديان الغابرة والحاضرة وأنّ اتّباع أحدها يكفى للرشد واحتضان معالم الهداية والنجاة في الآخرة ، على أساس أنّها حقيقة واحدة موحاة من قبل اللّه تعالى وأنّ الإسلام يصدّقها كذلك ! والقرآن يرفض هذه الفكرة المفرّقة رفضا ويؤكّد على أنّ الحقيقة تركّزت في طريق تكاملها في شريعة الإسلام ، وقد صرّح القرآن بذلك في قوله تعالى :
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
، « 2 » أي لا محيد - في بلوغ سعادة الحياة - عن متابعة شريعة الإسلام بالذات ! 3 - وأيضا من تمام هذا الغرض بيان أنّ الدعوة الرساليّة في الإسلام ليست بدعا في تاريخ الرسالات ، وإنّما هي وطيدة الصلة بها في الأهداف والتصورات والمفاهيم :
قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ . . .
. « 3 » بل إنّها تمثّل امتدادا لهذه الرسالات ، وتلك الرسالات تمثّل الجذر التاريخي للرسالة الإسلاميّة ، فهي رسالة إلهيّة لها هذا الامتداد في التاريخ الإنساني ، ولها هذا القدر من الأنصار والمضحّين والمؤمنين .
4 - وهكذا يؤكّد على أنّ وسائل الأنبياء وأساليبهم في الدعوة واحدة ، وطريقة مجابهة قومهم لهم واستقبالهم متشابهة ، وأنّ العوامل والأسباب والظواهر التي تواجهها الدعوة واحدة . وقد أكّد القرآن في عدّة مواضع على هذه الحقيقة ، وأشار إلى اشتراك الأنبياء في قضايا كثيرة . من ذلك قوله تعالى :
وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
. « 4 »
هامش
( 1 ) المائدة 5 : 48 .
( 2 ) آل عمران 3 : 31 .
( 3 ) الأحقاف 46 : 9 .
( 4 ) آل عمران 3 : 146 .