ذلك يكون البداء . وعلم علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، فنحن نعلمه » . « 1 »
وقد عنى بهذا العلم الذي تعلمه الملائكة والأنبياء والأئمّة هو العلم وفق مجاري الأمور الطبيعية ، والتي يمكن التخلّف فيها . ومن ثمّ
قال الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : واللّه لولا آية في كتاب اللّه لحدّثتكم بما يكون إلى يوم القيامة ، وهي قوله تعالى :
يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ
. « 2 »
وأمّا المسألة الثانية : هل لا يتنافى التقدير مع الاختيار ؟ فقد استوفينا الكلام عنها عند البحث عن مسألة الاستطاعة والاختيار ، وتبيّن أنّ التقدير السابق لا يعدو سوى العلم بما سيقع وتقديره حسبما يقع ، من غير أن يكون العلم السابق ذا أثر في تحقّق المعلوم .
فإنّ للظواهر الكونيّة عللا وأسبابا تكوينية هي التي تؤثّر في الفعل والانفعال التكوينيّين .
كما أنّ للأفعال الاختيارية الصادرة من الفاعل المختار ( الحيوان والإنسان ) سببا مباشرا هي إرادته بالذات وليس مقهورا فيها .
فإذا كان اللّه يعلم - أزلا - ما ذا سيقع وسيتحقّق عبر الأبد ثمّ قدّر مجاريها ودبّر من شؤونها بما يتواءم ونظام الكون فهذا لا يعني الإجبار ، ولا سيّما فيما يعود إلى أعمال يقوم بها الإنسان حسب إرادته واختياره . وليس من المنطق أن يفرض العلم بأمر علّة لوجوده .
والتقدير السابق ، إنّما هو العلم بالأسباب والمسبّبات - كما هي - ثمّ تدبير مجاريها حسب نظام الكون . فلا هناك جبر ولا سلب للمسئولية فيما يمسّ أفعال العباد الاختيارية .
إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
قال تعالى :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا
. « 3 » والخطاب عامّ يشمل
هامش
( 1 ) الكافي للكليني ، ج 1 ، ص 147 ، رقم 8 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 4 ، ص 97 ، رقم 4 و 5 ، والآية 38 من سورة الرعد .
( 3 ) مريم 19 : 71 .