على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريّات التي كذّبها الواقع المشهود . « 1 » إنّ الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي ، لأنّ اللّه قد ناط به امتداد الحياة في هذه الأرض ، وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها . فهو ميل دائم يسكن فترة ثمّ يعود . وإثارته في كلّ حين تزيد من عرامته ، وتدفع به إلى الإفضاء المادّي للحصول على الراحة . فإذا لم يتمّ هذا انهارت الأعصاب المستثارة ، وكان هذا بمثابة عملية تعذيب مستمرّة ! . . . والنظرة تثير ! والحركة تثير ! والضحكة تثير ! والدعابة تثير ! والنبرة المعبّرة عن هذا الميل تثير ! . . . والطريق المأمون هو تقليل هذه المثيرات ، بحيث يبقى هذا الميل في حدوده الطبيعية ، ثم يلبي تلبية طبيعية . وهذا هو المنهج الذي يختاره الإسلام ، مع تهذيب الطبع ، وشغل الطاقة البشرية بهموم أخرى في الحياة ، غير تلبية دافع اللحم والدم ، فلا تكون هذه التلبية هي المنفذ الوحيد .
وفي القرآن إشارة إلى نماذج من تقليل فرص الاستثارة والغواية والفتنة من الجانبين الرجل والمرأة : قال تعالى :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ
. « 2 » قال سيّد قطب : وغضّ البصر من جانب الرجال أدب نفسي ، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطّلاع على المحاسن والمفاتن في الوجوه والأجسام . كما أنّ فيه إغلاقا للنافذة الأولى من نوافذ الفتنة والغواية ، ومحاولة عمليّة للحيلولة دون وصول السهم المسموم !
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام : « النظرة سهم من سهام إبليس مسموم ، وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة » .
قال : « من تركها للّه عزّ وجلّ لا لغيره أعقبه اللّه أمنا وإيمانا يجد طعمه » .
و
قال : « النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة ، وكفى بها لصاحبها فتنة » . « 3 »
وأمّا حفظ الفرج فهو الثمرة الطبيعية لغضّ البصر ، أو هو الخطوة التالية لتحكيم
هامش
( 1 ) راجع : في ظلال القرآن ، تفسير سورة النور ، ج 18 ، ص 93 ، المجلّد السادس .
( 2 ) النور 24 : 30 .
( 3 ) وسائل الشيعة ، ج 20 ، ص 191 - 192 ، رقم 1 و 5 و 6 ، باب 104 من أبواب مقدّمات النكاح .