استعمل في غير ما وضع له « 1 » .
وفي هذا البحث نعطي بعض الأمثلة للمجاز : فالحديث : « أرضعيه ولو بماء عينيك . . . » [ رواه ابن عساكر ح 95 ] يعتبر من باب المجاز الصريح ولا يحتاج لقرينة خارجية . وأما الحديث : « إنّ إبراهيم ابني ، وإنّه مات في الثّدي ، وإنّ له لظئرين تكمّلان رضاعه في الجنّة » [ أخرجه مسلم ح 96 ] ، فهو من باب الكناية لأن عبارة « مات في الثدي » استعملت في غير ما وضعت له ، وهي غير واضحة بنفسها ، بيد أن عبارة « مات في الثدي » معروفة لدى عامة المفسرين أنها تعني : مات في سن الرضاعة ، والسياق العام للحديث يشير إلى هذا المعنى . وأما الحديث : « لا يحرّم من الرضاعة
هامش
4 -وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ[ النساء : 92 ] ، فإن المراد بالرقبة : العبد .
5 -يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ[ البقرة : 19 ] ، فإن المراد بالأصابع : رؤوس الأنامل .
6 -وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[ آل عمران : 107 ] ، فإن المراد برحمة اللّه :
الجنة .
7 -وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ[ البقرة : 143 ] ، فإن المراد بالإيمان : الصلاة ، إلى ما هنالك من مجازات في القرآن الكريم .
والمتكلّم البليغ لا يعمد في إبراز معنى يريده ، من كلمة وضعت له في الأصل ، إلى كلمة لم توضع له في الأصل ، إلا لإدراكه أنه لا يؤدي المعنى الذي أراده على وجه الدّقة إلا الكلمة التي عمد إليها ، لا الكلمة التي تركها مع كونها وضعت للمعنى الذي أراده في الأصل .
ولا ينبغي أن نلغي هذه المواد المثرية للدراسات في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة من أجل الممارسات الخاطئة والكثيرة التي صدرت ، وتصدر من بعض الناشطين في هذا المجال .
وينبغي أن نعلم أن المجاز كثير منه يقوم على التعبير بالصورة ، إما عن طريق التشبيه ، وإما عن طريق الاستعارة ، وإما عن طريق الكناية . . . والتعبير بالصورة ضروري جدّا لإبراز الكثير من المعاني المعقولة في صور محسوسة ، وفي إبراز الخفي في مقام الواضح ، وفي تقريب المعاني البعيدة بصور مفهومة قريبة ، وكل هذا يقرّب إلى الأذهان المعاني التي يريد المتكلّم إيصالها إليهم .
وقد يصبح هذا الأمر من المتطلّبات إذا ما اشتدّت إليه الحاجة ، مثل ما قد يقع في مجال الإعجاز العلمي في القرآن والسنة ، حيث إن المعاني المراد إيصالها للصحابة أو التابعين . . . كانت غريبة عليهم جدّ الغرابة ، ولا يمكن بحال أن يتصوّروها لبعد إطارها عن إطار الحقائق الظاهرة لهم ، فهؤلاء - رضوان اللّه تعالى عليهم - لم يتسنّ لهم أن يتعرّفوا على الحقائق العلمية الخفية الغريبة التي تكمن وراء وجودهم ، ولا يمكن استيعابها لبعدها عن واقعهم المحسوس مثل : أن الذي يتحكم بالإنسان - بإذن اللّه - هي حبال طويلة في منتهى الصغر حيّة : تطير ( أي تنتشر ) ، وتتمدد وتتضاعف . . .
فالمسألة فيها نظر ، بالنسبة للمجاز الصريح المنضبط الجليّ .
( 1 ) فالمجاز : هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة . كتاب أصول الفقه الإسلامي ، د .
إبراهيم السلقيني ، الفصل الأول : التقسيم الأول للفظ باعتبار الاستعمال ، ص 291 - 293 .