ومن هذه الملحوظات وجب علينا أن نفسر الأحاديث على الوجه الآتي :
جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود « 1 » : « فإذا حملت فسد لبنها ، يريد أن من سوء أثره في بدن الطفل وإفساد مزاجه وإرخاء قواه أن ذلك لا يزال ماثلا فيه إلى أن يشتد ويبلغ مبلغ الرجال ، فإذا أراد منازلة قرن في الحرب وهن عنه وانكسر ، وسبب وهنه وانكساره الغيل » انتهى .
وقال السندي : « وإن لم يظهر أثره في الحال حتى ربما يظهر أثره بعد أن يصير الولد رجلا . . . » .
فالقتل في الحديث « لا تقتلوا أولادكم سرّا . . . » هو التسبب في قتل الولد بعد أن ينشأ ويصبح فارسا من جراء إضعاف بنيته ، وعدم إعطائه حقّه من الغذاء من خلال إرضاعه من أمه الحامل التي تردّت نوعية لبنها .
غير أن هذا اللبن الذي خفّت استفادة الطفل منه لا يظهر أثره في الحال ولكن يظهر أثره على الولد بعد أن ينشأ ظهورا ضعيفا ، ذلك لأن أعضاء الطفل الصغير لم تستفد كما يجب من لبن الحامل لأنه فقد بعضا من قيمته الغذائية .
ومن الجدير بالذكر أن لبن الغيلة يرخي قوى الطفل مآلا وليس بالحال ، وبذلك فإن النهي عنه جاء هنا للإرشاد لا للتحريم ، وهذا ما أشار إليه الحافظ ابن قيّم الجوزية « 2 » قائلا : « فيكون النهي عنه أولا إرشادا وكراهة ، لا تحريما والله تعالى أعلم » .
وبعد : فتشير الأحاديث التي وردت في باب الغيلة إلى عدة أمور هي :
- إن وطء الرجل لامرأته وهي حامل مباح .
- إن إرضاع الحامل لولدها مباح ( وذلك إذا أخذنا برأي ابن قيّم الجوزية ، وإلا فإن إرضاع الحامل لولدها لا يجوز ) .
- إن إرضاع الولد من الأم الحامل غير مستحب .
- إن لبن الأم يفقد بعضا من قيمته الغذائية مما يسبب ضعفا في بنية الرضيع .
هامش
( 1 ) عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب - كتاب الطب - باب في الغيل - رقم الحديث 3863 - ( ج 10 / ص 364 ) .
( 2 ) تعليقات ابن القيم على سنن أبي داود في كتاب عون المعبود شرح سنن أبي داود لأبي الطيب - كتاب الطب - باب في الغيل - رقم الحديث 3863 - ( ج 10 / ص 365 ) .