لحليب الأم سواء أكانت مصابة بالمرض المعتبر أم لا ، فقد تكون ( حاملة
CARRIER
) للمرض فقط ( وغير مصابة ) دون أن تعلم ذلك ( لأن عوارض المرض لا تظهر عليها ، حيث أن المورّثات هي من النوع المتنحي ) ، وأنجبت بذلك ولدا مصابا بالمرض المذكور ، وهي ماضية بإرضاعه ، وبالتالي فإن الموضوعين مختلفين إلى حد ما .
وما نستطيع أن نستخلصه من مجموع الكلام الذي سقناه : أن المرأة المصابة تحمل معدلات عالية من الفنيلالانين في دمها ، وأن الأطباء ينصحون باتباعها نظاما حميويا صارما للغذاء لكي تنخفض وتتّزن معدّلات الفنيلالانين في دمها ومن ثمّ في حليبها ، وإنهم يفضّلون الرضاعة من الثدي على التغذية من الطعام الصناعي لعدّة أسباب أهمها :
- إن تركيز المعادن أفضل في اللبن الإنساني .
- إن هناك لبن خلفي في اللبن الإنساني غير موجود في الغذاء الصناعي .
- إن الطفل يحتاج إلى البعض من الفنيلالانين للنمو السليم بالرغم من أنه مصاب بمرض يعجز فيه عن تكسير أحماض الفنيلالانين .
وعليه نفهم أن العلم يتّفق مع النصوص الشرعية على أنه يجب أن لا نسترضع الحمقى لأن لديها معدّل عال من الفنيلالانين ، وإنه يجب أن نحافظ على الرضاعة من الثدي للأولاد - سواء أكانوا مصابين بالمرض المذكور أم لا - لأنه لا بديل للرضاعة بالنسبة للتمثيل الغذائي للطفل ، ولذلك فإن أفضل حل لهذه المعضلة هي الرضاعة من امرأة أخرى صحيحة الجسم عملا بالآية :
وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى
[ الطلاق : 6 ] . فهذه الآية تنص على أن تستبدل المرأة المرضع بامرأة أخرى في حال وجود عسر في الرضاعة ( ويتمثّل العسر هنا في حماقة المرأة ) « 1 » ، وبما أن
هامش
( 1 ) العسر في الرضاعة لا يقتصر على خلاف الزوجين في قدر النفقة التي يجب أن يدفعها الرجل للمرأة المطلقة أو ما شابه ذلك ، كما أشار إليه الكثير من مفسري القرآن الكريم ، ولكن يطول كل ما يؤدي - أو قد يؤدي - إلى ضرر بأحد الزوجين أو الرضيع ، والعسر - كما عرّفه ابن فارس في « مقاييس اللغة » ، ( ج 4 / ص 319 ) - هو : « عسر : العين والسين والراء أصل صحيح واحد يدلّ على صعوبة وشدّة ، فالعسر نقيض اليسر » . ومثال ذلك الآيتان :وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ[ البقرة :
280 ] ، ولَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ[ التوبة : 117 ] .
والأحكام الفقهية ترتكز على عمومية اللفظ في التطبيق ، والقياس ، وليس على السبب الذي نزلت من أجله الآية القرآنية فقط ، وبالتالي يتعيّن تطبيق أحكام الآية المعتبرة عندما نصادف أي مشكلة كانت تقف في وجه الرضاعة من الأم ، ومنها : الرضاعة من أم ذات لبن فاسد .