والحياة قد جعلت الإنسان وحده سيّدا على تموّجات الصوت مجتمعة وزوّدته بمادّة إنتاجها : فالمزمار والبوق والقيثار ، وكذا شعر الخيل ، والشمع الذي يمسح به قوس الكمان ، ورجع الصدى من قيثارة الأوركسترا المصنوعة من الخشب ، والصوت المنخفض المزدوج الذي هو كصوت الخنزير ، وطرقة الجلد على الطبل ، كلّ أولاء مدينة بالفضل للحياة ! .
والحياة مهندسة ، فهي التي وضعت تصميم سيقان الجندب ( النطيط ) والبرغوث ، والعضلات والروافع ، والمفاصل ، والقلب الذي يخفق دون كلل ، ونظام الأعصاب الكهربية لكلّ حيوان ، والدورة الدموية الكاملة لكلّ كائن حيّ .
وهي تصمم الهندباء البرّية ، ثمّ تزخرف بذورها في ( شرابات ) يحملها كلّ نسيم . والحياة تشكّل الأزهار ، وترغم الحشرات على أن تحمل اللقاح من عضو التذكير إلى عضو التأنيث .
والحياة كيموية ، فهي التي تهب المذاق للفواكه والتوابل وتهب العطر للورد .
والحياة تركّب مواد جديدة لم تجهزها الطبيعة بعد ، لموازنة عمليّاتها والقضاء على الحياة المغيرة .
والحياة تهب الضوء البارد « للذباب المنير » ليعاونه على بثّ غرامه ليلا .
وكيميا الحياة فائقة ، لأنّها لا تقنع باستخدام أشعّة الشمس لتحويل الماء وحامض الكربون إلى خشب وسكّر ، بل إنها إذ تفعل ذلك تطلق الاوكسيجين كي تتنسّم الحيوانات نسيم الحياة .
والحياة مؤرّخة ، فقد كتبت تاريخها صفحة صفحة ، تاركة سجلّها في الصخور ، وهو تاريخ كتبته بنفسها ولا ينتظر إلّا الترجمة .
والحياة تمنح مخلوقاتها الفرح لكونها حيّة ، فالحمل يرتع ويقفز ، وهو لا يدري لما ذا .
والحياة تلوّن عيني الطفل وتمنحها بريقا ، وتصبغ خدّيه ، وتبعث بالضحك
التمهيد في علوم القرآن — صفحة 49
مساهمون: الشيخ محمد هادي معرفة
ص٤٩