ومن هنا نجد العناية بالحقوق الخاصّة والعامّة ، وإذا كان هذا ما يمكن ملاحظته وتسجيله من خلال عملية استقراء لمقاصد القرآن وأهدافه وغاياته ، وما يمكن تلمّسه بوضوح في مواد كثيرة - كما سيتّضح - فكلّ ذلك يشكّل في نظرنا الملامح العامّة لاتجاهات التقنين في القرآن الكريم .
إنّ المعالم الأساسية أو الهيكل العامّ للنظرية القرآنية يمكن تصويره كما يأتي :
يبدأ القرآن ويهتمّ أولا برسم المنهج السليم للتفكير ، أي عملية التقنين تبدأ من تقنين الفعّالية العقلية والفكرية ثمّ يتمّ التدرّج إلى تقنين الفعّاليات والعلاقات في داخل الأسرة ، ثمّ يتمّ التحوّل إلى تقنين العلاقات في إطار المجتمع .
إنّ أهمّ ما يمكن الاعتماد عليه في شمولية هذه النظرة هو ما يأتي :
أولا : النصوص القرآنية الصريحة التي تؤكّد شمولية القرآن الكريم في معالجته لكلّ شيء ، وعنايته بكلّ شيء ، وعدم تفريطه بشيء من الأشياء له علاقة بالانسان ، ومن تلك الموارد والآيات قوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
« 1 » وقوله تعالى :
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
« 2 » وقوله تعالى :
الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
« 3 » وقوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
« 4 » .
فهذه النصوص صريحة في كفالة القرآن لجميع المتطلّبات ، ووفائه للحاجات الإنسانية التي من أخصّها العناية بتنظيم شؤون الحياة المختلفة .
ثانيا : التأكيدات التي وردت في القرآن الكريم على أنه - أي القرآن - جاء ليخرج الناس جميعا من الظلمات إلى النور ، ومن الظلم والتظالم إلى العدل
هامش
( 1 ) الأنعام : 38 .
( 2 ) النحل : 89 .
( 3 ) هود : 1 .
( 4 ) الأنعام : 114 .