والحقيقة أنّ الاعتقاد بمحاسبة الانسان على كلّ عمل يأتيه
ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
« 1 » .
إن هذه العقيدة تدفع المسلم إلى الاتّزان في سلوكه ، كما يعمّق في نفسه جذور العاطفة وحبّ الخير العام .
أمّا الاعتقاد بالعناية الربّانية والرحمة والحبّ وقدرة اللّه المطلقة فهو يؤدّي به إلى الخضوع أمام ربّه العليّ القدير ، ويجعله يمارس تلك الفضائل البطولية التي نشأ عنها ما يرمي به المتعصّبون ضدّ الإسلام من أنه دين زهد وتقشّف ، وكذلك قولهم : إنه يعتمد على الصبر والاعتزال والشدّة في تجربة النفس ، والإسلام يجعل المرء يحاسب ضميره بشدّة وقلق ، ويلزمه أن يدرس الدوافع التي تتحفّز في نفسه بكلّ عناية وحذر . إنّه يجعله أن لا يثق في قوّته الشخصية ، بل يعتمد على عون اللّه في الصراع الذي ينشب بين الخير والشرّ في نفسه « لا حول ولا قوّة إلّا باللّه » « بحول اللّه وقوته أقوم وأقعد » كلام يقوله متكرّرا في صلاته اليومية .
هكذا جاء القرآن بهكذا مفاهيم رقيقة ، هي منسجمة مع فطرة الانسان وذهنيّته عن الدين وعن شريعة السماء .
لقد كانت مفاهيم سائر الأديان - التي كانت رائجة ودارجة عهد نزول القرآن - والفروض التي نشأت عنها خالية من كلّ معقولية تجعلها قابلة للتطبيق ، كما وأنها ناقصة الاطّلاع والإحاطة بطبيعة البشر وذات فطرته الأولى ، فأدّى بها ذلك إلى أن تضمّ بين جوانحها كثيرا من حماس الحالمين وغموضهم . وكان من ذلك أن بقيت تلك المفاهيم وفروضها عديمة الجدوى في تجارب الحياة العادية وممارستها .
وإنّها لقاعدة سليمة ، تلك التي تقول : إنّ الطبيعة العملية في دين ما ، وتأثيره
هامش
( 1 ) الكهف : 49 .